GHIBAT IMAM ZAMAN AS

أوائل المقالات

أوائل المقالات
المقدمة
أوائل المقالات تأليف الإمام الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان ابن المعلم ابي عبد الله العكبري البغدادي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أحمد الله على نعمته و أعتصم به من خلافه و معصيته و أعوذ به من سخطه و نقمته و صلى الله على صفوته من بريته محمد نبيه و الأصفياء البررة من عترته و سلم كثيرا.
أما بعد أطال الله بقاء سيدنا الشريف النقيب في عز طاعته و أدام تمكينه و علو كلمته فإني بتوفيق الله و مشيته مثبت في هذا الكتاب ما آثر إثباته من فرق ما بين الشيعة و المعتزلة و فصل ما بين العدلية من الشيعة و من ذهب إلى العدل من المعتزلة و الفرق ما بينهم من بعد و بين الإمامية فيما اتفقوا عليه من خلافهم فيه من الأصول و ذاكر في أصل ذلك ما اجتبيته أنا من المذاهب المتفرعة عن أصول التوحيد و العدل و القول في اللطيف من الكلام و ما كان وفاقا منه لبني نوبخت رحمهم الله و ما هو خلاف لآرائهم في المقال و ما
يوافق ذلك مذهبه من أهل الاعتزال و غيرهم من أصحاب الكلام ليكون أصلا معتمدا فيما يمتحن للاعتقاد و بالله أستعين على تيسير ذلك و هو بلطفه الموفق للصواب‏
1 باب القول في الفرق بين الشيعة فيما نسبت به إلى التشيع و المعتزلة فيما استحقت به اسم الاعتزال‏
التشيع في أصل اللغة هو الاتباع على وجه التدين و الولاء للمتبوع على الإخلاص قال الله عز و جل فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ ففرق بينهما في الاسم بما أخبر به من فرق ما بينهما في الولاية و العداوة و جعل موجب التشيع لأحدهما هو الولاء بصريح الذكر له في الكلام و قال الله تعالى وَ إِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ فقضى له بالسمة للاتباع منه لنوح ع على سبيل الولاء و منه قولهم فلان تكلم في كذا و كذا فشيع فلان كلامه إذا صدقه فيه و اتبعه في معانيه و من هذا المعنى قيل لمن اتبع المسافر لوداعه هو مشيع له غير أنه ليس كل مشيع لغيره على حقيقة ما ذكرناه من الاتباع يستحق السمة بالتشيع و لا يقع عليه إطلاق اللفظ بأنه‏
من الشيعة و إن كان متبوعة محقا أو كان مبطلا إلا أن يسقط منه علامة التعريف التي هي الألف و اللام و يضاف بلفظ من التبعيض فيقال هؤلاء من شيعة بني أمية أو من شيعة بني العباس أو من شيعة فلان أو فلان فأما إذا أدخل فيه علامة التعريف فهو على التخصيص لا محالة لأتباع أمير المؤمنين ص على سبيل الولاء و الاعتقاد لإمامته بعد الرسول ص بلا فصل و نفي الإمامة عمن تقدمه في مقام الخلافة و جعله في الاعتقاد متبوعا لهم غير تابع لأحد منهم على وجه الاقتداء.
و الذي يدل على صحة ذلك عرف الكافة و معهودهم منه في الإطلاق و معرفة كل مخاطب منه مراد المخاطب في تعيين هذه الفرقة دون من سواها ممن يدعى استحقاقه من مخالفيها بما شرحناه و كما يفهم العرف مراد المخاطب بذكر الإسلام على الإطلاق و ذكر الحنيفية و الإيمان و الصلاة و الزكاة و الحج و الصيام و إن كانت هذه الأسماء في أصل اللسان غير مفيدة لما قررته الشريعة و قضى به العرف فيها على البيان و يزيد ذلك وضوحا ما حصل عليه الاتفاق من تعري الخوارج عن هذه‏
السمة و خروجهم عن استحقاقها و جهل من أطلقها عليهم بذكر الألف و اللام و إن كانوا أتباعا لأبي بكر و عمر على سبيل الولاء كما خرج عن استحقاقها أيضا أهل البصرة و أتباع معاوية و من قعد عن نصرة أمير المؤمنين ع و إن كانوا أتباعا لأئمة هدى عند أهل الخلاف و مظهرين لترك عداوته مع الخذلان فيعلم بهذا الاعتبار أن السمة بالتشيع علم على الفريق الذي ذكرناه و إن كان أصلها في اللسان ما وصفناه من الاتباع كما أن الإسلام علم على أمة محمد ص خاصة و إن كان في أصل اللغة اسما تستحقه اليهود لاستسلامها لموسى ع و تستحقه النصارى بمثل ذلك و تستحقه المجوس لانقيادها لزرادشت و كل مستسلم لغيره يستحقه على معنى اللغة لكنهم خرجوا عن استحقاقه لما صار علما على أمة محمد ص و تخصصت به دون من سواها للعرف و الاستعمال و هذه الجملة كافية فيما أثبتناه و إن كان شرحها يتسع و يتناصر فيه البينات لكنا عدلنا عنه لما نؤمه من الغرض فيما سواه و قد أفردنا رسالة لها استقصينا فيها الكلام.
و إذا ثبت ما بيناه بالسمة بالتشيع كما وصفناه وجبت للإمامية و الزيدية الجارودية من بين سائر فرق الأمة لانتظامهم بمعناها و حصولهم على موجبها و لم يخرجوا عنها و إن ضموا إليها وفاقا بينهم أو خلافا في أنحاء من المعتقدات و خرجت المعتزلة و البكرية و الخوارج و الحشوية عنها لتعريهم عن معناها الذي وصفناه و لم يدخلهم فيها وفاق لمن وجبت له فيما سواه كائنا ما كان.
و أما المعتزلة و ما وسمت به من اسم الاعتزال فهو لقب حدث لها عند القول بالمنزلة بين المنزلتين و ما أحدثه واصل بن عطاء من المذهب في ذلك و نصب من الاحتجاج له فتابعه عمرو بن عبيد و وافقه على التدين به من قال بها و اتبعهما عليه إلى اعتزال الحسن البصري و أصحابه و التحيز عن مجلسه فسماهم الناس المعتزلة لاعتزالهم مجلس الحسن بعد أن كانوا من أهله و تفردهم بما ذهبوا إليه من هذه المسألة من جميع الأمة و سائر
العلماء و لم يكن قبل ذلك يعرف الاعتزال و لا كان علما على فريق من الناس فمن وافق المعتزلة فيما تذهب إليه من المنزلة بين المنزلتين كان معتزليا على الحقيقة و إن ضم إلى ذلك وفاقا لغيرهم من أهل الآراء و غلب عليه اسم الاعتزال و لم يخرجه عنه دينونته بما لا يذهب إليه جمهورهم من المقال.
كما يستحق اسم التشيع و يغلب عليه من دان بإمامة أمير المؤمنين ع على حسب ما قدمناه و إن ضم إلى ذلك من الاعتقاد ما ينكره كثير من الشيعة و يأباه و كذلك ضرار بن عمرو كان معتزليا و إن دان بالمخلوق و الماهية على خلاف جمهور أهل الاعتزال و كان هشام بن الحكم شيعيا و إن خالف الشيعة كافة في أسماء الله تعالى و ما ذهب إليه في معاني الصفات‏
2 باب الفرق بين الإمامية و غيرهم من الشيعة و سائر أصحاب المقالات‏
فأما السمة للمذهب بالإمامة و وصف الفريق من الشيعة بالإمامية فهو علم على من دان بوجوب الإمامة و وجودها في كل زمان و أوجب النص الجلي و العصمة و الكمال لكل إمام ثم حصر الإمامة في ولد الحسين بن علي ع و ساقها إلى الرضا علي بن موسى ع لأنه و إن كان في الأصل علما على من دان من الأصول بما ذكرناه دون التخصيص لمن قال في الأعيان بما وصفناه فإنه قد انتقل عن أصله لاستحقاق فرق من معتقديه‏
ألقابا بأحاديث لهم بأقاويل أحدثوها فغلبت عليهم في الاستعمال دون الوصف بالإمامية و صار هذا الاسم في عرف المتكلمين و غيرهم من الفقهاء و العامة علما على من ذكرناه.
و أما الزيدية فهم القائلون بإمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب و الحسن و الحسين و زيد بن علي ع و بإمامة كل فاطمي دعا إلى نفسه و هو على ظاهر العدالة و من أهل العلم و الشجاعة و كانت بيعته على تجريد السيف للجهاد
3 باب ما اتفقت الإمامية فيه على خلاف المعتزلة فيما اجتمعوا عليه من القول بالإمامة
اتفق أهل الإمامة على أنه لا بد في كل زمان من إمام موجود يحتج الله عز و جل به على عباده المكلفين و يكون بوجوده تمام المصلحة في الدين و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و جواز خلو الأزمان الكثيرة من إمام موجود و شاركهم في هذا الرأي و خالف الإمامية فيه الخوارج و الزيدية و المرجئة و العامة المنتسبون إلى الحديث.
و اتفقت الإمامية على أن إمام الدين لا يكون إلا معصوما من الخلاف لله تعالى عالما بجميع علوم الدين كاملا في الفضل بائنا من الكل بالفضل‏
عليهم في الأعمال التي يستحق بها النعيم المقيم و أجمعت المعتزلة و من ذكرناه من الفرق الخارجة عن سمة الإمامية على خلاف ذلك و جوزوا أن يكون الأئمة عصاة في الباطن و ممن يقارف الآثام و لا يجوز الفضل و لا يكمل علوم الدين.
و اتفقت الإمامية على أن الإمامة لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلا بالنص على عينه و التوقيف و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و المتسمون بأصحاب الحديث على خلاف ذلك و أجازوا الإمامة في من لا معجز له و لا نص عليه و لا توقيف.
و اتفقت الإمامية على أن الإمامة بعد النبي ص في بني هاشم خاصة ثم في علي و الحسن و الحسين و من بعد في ولد الحسين ع دون ولد الحسن ع إلى آخر العالم و أجمعت المعتزلة و من ذكرناه من الفرق على خلاف ذلك و أجاز سائرهم إلا الزيدية خاصة الإمامة في غير بني هاشم و أجازتها الزيدية في غير ولد الحسين ع. و اتفقت الإمامية على أن رسول الله ص استخلف أمير المؤمنين ع في حياته و نص عليه بالإمامة بعد وفاته و إن من دفع ذلك فقد دفع فرضا من الدين و أجمعت المعتزلة و الخوارج و المرجئة و البترية و الحشوية المنتسبون إلى الحديث على خلاف ذلك و أنكروا نص النبي ص على أمير المؤمنين ع و دفعوا أن يكون الإمام بعده بلا فصل على المسلمين.
و اتفقت الإمامية على أن النبي ص نص على إمامة الحسن و الحسين بعد أمير المؤمنين ع و أن أمير المؤمنين ع أيضا نص عليهما كما
نص الرسول ص و أجمعت المعتزلة و من عددناه من الفرق سوى الزيدية الجارودية على خلاف ذلك و أنكروا أن يكون للحسن و الحسين ع إمامة بالنص و التوقيف.
و اتفقت الإمامية على أن رسول الله ص نص على علي بن الحسين و أن أباه و جده نصا عليه كما نص عليه الرسول ص و أنه كان بذلك إماما للمؤمنين و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و المنتمون إلى أصحاب الحديث على خلاف ذلك و أنكروا بأجمعهم أن يكون علي بن الحسين ع إماما للأمة بما توجب به الإمامة لأحد من أئمة المسلمين.
و اتفقت الإمامية على أن الأئمة بعد الرسول ص اثنا عشر إماما و خالفهم في ذلك كل من عداهم من أهل الملة و حججهم في ذلك على خلاف الجمهور ظاهرة من جهة القياس العقلي و السمع المرضي و البرهان الجلي الذي يفضي التمسك به إلى اليقين‏
4 القول في المتقدمين على أمير المؤمنين ع‏
و اتفقت الإمامية و كثير من الزيدية على أن المتقدمين على أمير المؤمنين‏
ع ضلال فاسقون و أنهم بتأخيرهم أمير المؤمنين ع عن مقام رسول الله ص عصاة ظالمون و في النار بظلمهم مخلدون و أجمعت المعتزلة و الخوارج و جماعة من الزيدية و المرجئة و الحشوية على خلاف ذلك و دانوا بولاية القوم و زعموا أنهم لم يدفعوا حقا لأمير المؤمنين ع و أنهم من أهل النعيم إلا الخوارج و الجميعة من الزيدية فإنهم تبرءوا من عثمان خاصة و زعموا أنه مخلد في الجحيم بإحداثه في الدين لا بتقدمه على أمير المؤمنين ع‏
5 القول في محاربي أمير المؤمنين ع‏
و اتفقت الإمامية و الزيدية و الخوارج على أن الناكثين و القاسطين من أهل البصرة و الشام أجمعين كفار ضلال ملعونون بحربهم أمير المؤمنين ع و أنهم بذلك في النار مخلدون و أجمعت المعتزلة سوى الغزال منهم و ابن باب‏
و المرجئة و الحشوية من أصحاب الحديث على خلاف ذلك فزعمت المعتزلة كافة إلا من سميناه و جماعة من المرجئة و طائفة من أصحاب الحديث أنهم فساق ليسوا بكفار و قطعت المعتزلة من بينهم على أنهم لفسقهم في النار مخلدون.
و قال باقي المرجئة و أصحاب الحديث إنهم لا يستحقون اسم الكفر و الفسوق و قال بعض هذين الفريقين أنهم كانوا مجتهدين في حربهم أمير المؤمنين ع و لله بذلك مطيعين و عليه مأجورين و قال البعض الآخر بل كانوا لله تعالى عاصين إلا أنهم ليسوا بفاسقين و لا يقطع على أنهم للعذاب مستحقون و زعم واصل الغزال و عمرو بن عبيد بن باب من بين كافة المعتزلة أن طلحة و الزبير و عائشة و من كان في حيزهم من علي بن أبي طالب ع و الحسن و الحسين ع و محمد و من كان في حيزهم كعمار بن ياسر و غيره من المهاجرين و وجوه الأنصار و بقايا أهل بيعة الرضوان كانوا في اختلافهم كالمتلاعنين و أن إحدى الطائفتين فساق ضلال مستحقون للخلود في النار إلا أنه لم يقم عليها دليل.
و اتفقت الإمامية و الزيدية و جماعة من أصحاب الحديث على أن الخوارج على أمير المؤمنين ع المارقين عن الدين كفار بخروجهم عليه و أنهم في النار بذلك مخلدون.
و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و منعوا من إكفارهم و اقتصروا في تسميتهم على التفسيق و أوجبوا عليهم التخليد في الجحيم.
و زعمت المرجئة و باقي أصحاب الحديث أنهم فساق يخاف عليهم‏
العذاب و يرجى لهم العفو و الثواب و دخول جنات النعيم‏
6 القول في تسمية جاحدي الإمامة و منكري ما أوجب الله تعالى للأئمة من فرض الطاعة
و اتفقت الإمامية على أن من أنكر إمامة أحد الأئمة و جحد ما أوجبه الله تعالى من فرض الطاعة فهو كافر ضال مستحق للخلود في النار و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و أنكروا كفر من ذكرناه و حكموا لبعضهم بالفسق خاصة و لبعضهم بما دون الفسق من العصيان‏
7 القول في أن العقل لا ينفك عن سمع و أن التكليف لا يصح إلا بالرسل ع‏
و اتفقت الإمامية على أن العقل محتاج في علمه و نتائجه إلى السمع و أنه غير منفك عن سمع ينبه العاقل على كيفية الاستدلال و أنه لا بد في أول التكليف و ابتدائه في العالم من رسول و وافقهم في ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أن العقول تعمل بمجردها من السمع و التوقيف إلا أن البغداديين من المعتزلة خاصة يوجبون‏
الرسالة في أول التكليف و يخالفون الإمامية في علتهم لذلك و يثبتون عللا يصححها الإمامية و يضيفونها إلى علتهم فيما وصفناه‏
8 القول في الفرق بين الرسل و الأنبياء ع‏
و اتفقت الإمامية على أن كل رسول فهو نبي و ليس كل نبي فهو رسول و قد كان من أنبياء الله عز و جل حفظة لشرائع الرسل و خلفائهم في المقام و إنما منع الشرع من تسمية أئمتنا بالنبوة دون أن يكون العقل مانعا من ذلك لحصولهم على المعنى الذي حصل لمن ذكرناه من الأنبياء ع و اتفقوا على جواز بعثة رسول يجدد شريعة من تقدمه و إن لم يستأنف شرعا و يؤكد نبوة من سلف و إن لم يفرض غير ذلك فرضا و أجمعت المعتزلة على خلاف هذين القولين و مع الإمامية في تصحيحه جماعة من المرجئة و كافة أصحاب الحديث‏
9 القول في آباء رسول الله ص و أمه و عمه أبي طالب رحمة الله تعالى عليهم‏
و اتفقت الإمامية على أن آباء رسول الله ص من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عز و جل موحدون له و احتجوا في ذلك بالقرآن و الأخبار قال الله عز و جل الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ‏
و قال رسول الله ص لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهرات حتى أخرجني في عالمكم هذا
و أجمعوا على أن عمه أبا طالب رحمه الله مات مؤمنا و أن آمنة بنت وهب كانت على التوحيد و أنها تحشر في جملة المؤمنين و خالفهم على هذا القول جميع الفرق ممن سميناه بدءا
10 القول في الرجعة و البداء و تأليف القرآن‏
و اتفقت الإمامية على وجوب رجعة كثير من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة و إن كان بينهم في معنى الرجعة اختلاف و اتفقوا على إطلاق لفظ البداء في وصف الله تعالى و أن ذلك من جهة السمع دون القياس و اتفقوا على أن أئمة الضلال خالفوا في كثير من تأليف القرآن و عدلوا فيه عن موجب التنزيل و سنة النبي ص و أجمعت المعتزلة و الخوارج و الزيدية و المرجئة و أصحاب الحديث على خلاف الإمامية في جميع ما عددناه‏
11 القول في الوعيد
و اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى و الإقرار بفرائضه من أهل الصلاة و وافقهم على هذا القول كافة المرجئة سوى محمد بن شبيب و أصحاب الحديث قاطبة و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أن الوعيد
بالخلود في النار عام في الكفار و جميع فساق أهل الصلاة و اتفقت الإمامية على أن من عذب بذنبه من أهل الإقرار و المعرفة و الصلاة لم يخلد في العذاب و أخرج من النار إلى الجنة فينعم فيها على الدوام و وافقهم على ذلك من عددناه و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أنه لا يخرج من النار أحد دخلها للعذاب‏
12 القول في الشفاعة
و اتفقت الإمامية على أن رسول الله ص يشفع يوم القيامة لجماعة من مرتكبي الكبائر من أمته و أن أمير المؤمنين ع يشفع في أصحاب الذنوب من شيعته و أن أئمة آل محمد ع يشفعون كذلك و ينجي الله بشفاعتهم كثيرا من الخاطئين و وافقهم على شفاعة الرسول ص المرجئة سوى ابن شبيب و جماعة من أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعمت أن شفاعة رسول الله ص للمطيعين دون العاصين و أنه لا يشفع في مستحق العقاب من الخلق أجمعين‏
13 القول في الأسماء و الأحكام‏
و اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار لا يخرج   بذلك عن الإسلام و أنه مسلم و إن كان فاسقا بما فعله من الكبائر و الآثام و وافقهم على هذا القول المرجئة كافة و أصحاب الحديث قاطبة و نفر من الزيدية و أجمعت المعتزلة و كثير من الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن و لا مسلم و إن ضم إلى فسقه كل ما عد تركه من الطاعات‏
14 القول في الإسلام و الإيمان‏
و اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان و أن كل مؤمن فهو مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا و أن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان و وافقهم على هذا القول المرجئة و أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة و كثير من الخوارج و الزيدية على خلاف ذلك و زعموا أن كل مسلم مؤمن و أنه لا فرق بين الإسلام و الإيمان في الدين‏
15 القول في التوبة و قبولها
و اتفقت الإمامية على أن قبول التوبة تفضل من الله عز و جل و ليس بواجب في العقول إسقاطها لما سلف من استحقاق العقاب و لو لا أن السمع ورد
بإسقاطها لجاز في العقول فعله في التائبين على شرط الاستحقاق و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلافهم و زعموا أن التوبة مسقطة لما سلف من العقاب على الوجوب‏
16 القول في أصحاب البدع و ما يستحقون عليه من الأسماء و الأحكام‏
و اتفقت الإمامية على أن أصحاب البدع كلهم كفار و أن على الإمام أن يستتيبهم عند التمكن بعد الدعوة لهم و إقامة البينات عليهم فإن تابوا عن بدعهم و صاروا إلى الصواب و إلا قتلهم لردتهم عن الإيمان و أن من مات منهم على تلك البدعة فهو من أهل النار و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أن كثيرا من أهل البدع فساق و ليسوا بكفار و أن فيهم من لا يفسق ببدعته و لا يخرج بها عن الإسلام كالمرجئة من أصحاب ابن شبيب و البترية من الزيدية الموافقة لهم في الأصول و إن خالفوهم في صفات الإمام‏
17 القول في المفاضلة بين الأنبياء و الملائكة ع‏
و اتفقت الإمامية على أن أنبياء الله تعالى عز و جل و رسله من البشر
أفضل من الملائكة و وافقهم على ذلك أصحاب الحديث و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعم الجمهور منهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء و الرسل و قال نفر منهم سوى من ذكرناه بالوقف في تفضيل أحد الفريقين على الآخر و كان اختلافهم في هذا الباب على ما وصفناه و إجماعهم على خلاف القطع بفضل الأنبياء على الملائكة حسب ما شرحناه‏
باب وصف ما اجتبيته أنا من الأصول نظرا و وفاقا لما جاءت به الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد ص و ذكر من وافق ذلك مذهبه من أصحاب المقالات‏
18 القول في التوحيد
أقول إن الله عز و جل واحد في الإلهية و الأزلية لا يشبهه شي‏ء و لا يجوز أن يماثله شي‏ء و إنه فرد في المعبودية لا ثاني له فيها على الوجوه كلها و الأسباب و على هذا إجماع أهل التوحيد إلا من شذ من أهل التشبيه فإنهم أطلقوا ألفاظه و خالفوا في معناه.
و أحدث رجل من أهل البصرة يعرف بالأشعري قولا خالف فيه‏
ألفاظ جميع الموحدين و معانيهم فيما وصفناه و زعم أن لله عز و جل صفات قديمة و أنه لم يزل بمعان لا هي هو و لا غيره من أجلها كان مستحقا للوصف بأنه عالم حي قادر سميع بصير متكلم مريد و زعم أن لله عز و جل وجها قديما و سمعا قديما و بصرا قديما و يدين قديمتين و أن هذه كلها أزلية قدماء و هذا قول لم يسبقه إليه أحد من منتحلي التوحيد فضلا عن أهل الإسلام‏
19 القول في الصفات‏
و أقول إن الله عز و جل اسمه حي لنفسه لا بحياة و إنه قادر لنفسه و عالم لنفسه لا بمعنى كما ذهب إليه المشبهة من أصحاب الصفات و لا الأحوال المختلفات كما أبدعه أبو هاشم الجبائي و فارق به سائر أهل التوحيد و ارتكب أشنع من مقال أهل الصفات و هذا مذهب الإمامية كافة و المعتزلة إلا من سميناه و أكثر المرجئة و جمهور الزيدية و جماعة من أصحاب الحديث و المحكمة. و أقول إن كلام الله تعالى محدث و بذلك جاءت الآثار عن آل محمد ع و عليه إجماع الإمامية و المعتزلة بأسرها و المرجئة إلا من شذ عنها
و جماعة من أصحاب الحديث و أكثر الزيدية و الخوارج. و أقول إن القرآن كلام الله و وحيه و إنه محدث كما وصفه الله تعالى و امنع من إطلاق القول عليه بأنه مخلوق و بهذا جاءت الآثار عن الصادقين ع و عليه كافة الإمامية إلا من شذ منهم و هو قول جمهور البغداديين من المعتزلة و كثير من المرجئة و الزيدية و أصحاب الحديث.
و أقول إن الله تعالى مريد من جهة السمع و الاتباع و التسليم على حسب ما جاء في القرآن و لا أوجب ذلك من جهة العقول.
و أقول إن إرادة الله تعالى لأفعاله هي نفس أفعاله و إرادته لأفعال خلقه أمره بالأفعال و بهذا جاءت الآثار عن أئمة الهدى من آل محمد ع و هو مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منها عن قرب و فارق ما كان عليه الأسلاف و إليه يذهب جمهور البغداديين من المعتزلة و أبو القاسم البلخي خاصة و جماعة من المرجئة و يخالف فيه من المعتزلة البصريون و يوافقهم على الخلاف فيه المشبهة و أصحاب الصفات.
و أقول إنه لا يجوز تسمية الباري تعالى إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان نبيه ص أو سماه به حججه من خلفاء نبيه و كذلك أقول في الصفات و بهذا تطابقت الأخبار عن آل محمد ع و هو مذهب جماعة الإمامية و كثير من الزيدية و البغداديين من المعتزلة كافة و جمهور
المرجئة و أصحاب الحديث إلا أن هؤلاء الفرق يجعلون بدل الإمام الحجة في ذلك الإجماع‏
20 القول في وصف الباري تعالى بأنه سميع بصير و راء و مدرك‏
و أقول إن استحقاق القديم سبحانه لهذه الصفات كلها من جهة السمع دون القياس و دلائل العقول و إن المعنى في جميعها العلم خاصة دون ما زاد عليه في المعنى إذ ما زاد عليه في معقولنا و معنى لغتنا هو الحس و ذلك مما يستحيل على القديم و قد يقال في معنى مدرك أيضا إذا وصف به الله تعالى إنه لا يفوته شي‏ء و لا يهرب منه شي‏ء و لا يجوز أن يراد به معنى إدراك الأبصار و غيرها من حواسنا لأنه الحس في الحقيقة على ما بيناه و لست أعلم من متكلمي الإمامية في هذا الباب خلافا و هو مذهب البغداديين من المعتزلة و جماعة من المرجئة و نفر من الزيدية و يخالف فيه المشبهة و إخوانهم من أصحاب الصفات و البصريون من أهل الاعتزال‏
21 القول في علم الله تعالى بالأشياء قبل كونها
و أقول إن الله تعالى عالم بكل ما يكون قبل كونه و إنه لا حادث إلا و قد
علمه قبل حدوثه و لا معلوم و ممكن أن يكون معلوما إلا و هو عالم بحقيقته و إنه سبحانه لا يخفى عليه شي‏ء في الأرض و لا في السماء و بهذا قضت دلائل العقول و الكتاب المسطور و الأخبار المتواترة عن آل الرسول ص و هو مذهب جميع الإمامية و لسنا نعرف ما حكاه المعتزلة عن هشام بن الحكم في خلافه و عندنا أنه تخرص منهم عليه و غلط ممن قلدهم فيه فحكاه من الشيعة عنه و لم نجد له كتابا مصنفا و لا مجلسا ثابتا و كلامه في أصول الإمامة و مسائل الامتحان يدل على ضد ما حكاه الخصوم عنه و معنا فيما ذهبنا إليه في هذا الباب جميع المنتسبين إلى التوحيد سوى الجهم بن صفوان من المجبرة و هشام بن عمرو الفوطي من المعتزلة فإنهما كانا يزعمان أن العلم لا يتعلق بالمعدوم و لا يقع إلا على موجود و أن الله تعالى لو علم الأشياء قبل كونها لما حسن منه الامتحان‏
22 القول في الصفات‏
و أقول إن الصفة في الحقيقة ما أنبأت عن معنى مستفاد يخص الموصوف و ما شاركه فيه و لا يكون ذلك كذلك حتى يكون قولا أو كتابة
يدل على ما يدل النطق عليه و ينوب منابه فيه و هذا مذهب أهل التوحيد و قد خالف فيه جماعة من أهل التشبيه‏
23 القول فيما انفرد به أبو هاشم من الأحوال‏
أقول إن وصف الباري تعالى بأنه حي قادر عالم يفيد معاني معقولات ليست الذات و لا أشياء تقوم بها كما يذهب إليه جميع أصحاب الصفات و لا أحوال مختلفات على الذات كما ذهب إليه أبو هاشم الجبائي و قد خالف فيه جميع الموحدين و قولي في المعنى المراد به المعقول في الخطاب دون الأعيان الموجودات و هذا مذهب جميع الموحدين و خالف فيه المشبهة و أبو هاشم كما ذكرناه‏
24 القول في وصف الباري تعالى بالقدرة على العدل و خلافه و ما علم كونه و ما علم أنه لا يكون‏
و أقول إن الله جل جلاله قادر على خلاف العدل كما أنه قادر على العدل إلا أنه لا يفعل جورا و لا ظلما و لا قبيحا و على هذا جماعة الإمامية و المعتزلة كافة سوى النظام و جماعة من المرجئة و الزيدية و أصحاب الحديث و المحكمة و يخالفنا فيه المجبرة بأسرها و النظام و من وافقهم في خلاف العدل و التوحيد.
و أقول إنه سبحانه قادر على ما علم أنه لا يكون مما لا يستحيل كاجتماع الأضداد و نحو ذلك من المحال و على هذا إجماع أهل التوحيد إلا النظام و شذاذ من أصحاب المخلوق‏
25 القول في نفي الرؤية على الله تعالى بالأبصار
و أقول إنه لا يصح رؤية الباري سبحانه بالأبصار و بذلك شهد العقل و نطق القرآن و تواتر الخبر عن أئمة الهدى من آل محمد ص و عليه جمهور أهل الإمامة و عامة متكلميهم إلا من شذ منهم لشبهة عرضت له في تأويل الأخبار و المعتزلة بأسرها توافق أهل الإمامة في ذلك و جمهور المرجئة و كثير من الخوارج و الزيدية و طوائف من أصحاب الحديث و يخالف فيه المشبهة و إخوانهم من أصحاب الصفات‏
26 القول في العدل و الخلق‏
أقول إن الله عز و جل عدل كريم خلق الخلق لعبادته و أمرهم بطاعته و نهاهم عن معصيته و عمهم بهدايته بدأهم بالنعم و تفضل عليهم بالإحسان لم يكلف أحدا إلا دون الطاقة و لم يأمره إلا بما جعل له عليه‏
الاستطاعة لا عبث في صنعه و لا تفاوت في خلقه و لا قبيح في فعله جل عن مشاركة عباده في الأفعال و تعالى عن اضطرارهم إلى الأعمال لا يعذب أحدا إلا على ذنب فعله و لا يلوم عبدا إلا على قبيح صنعه لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَ إِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَ يُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً.
و على هذا القول جمهور أهل الإمامية و به تواترت الآثار عن آل محمد ص و إليه يذهب المعتزلة بأسرها إلا ضرارا منها و أتباعه و هو قول كثير من المرجئة و جماعة من الزيدية و المحكمة و نفر من أصحاب الحديث و خالف فيه جمهور العامة و بقايا ممن عددناه و زعموا أن الله تعالى خلق أكثر خلقه لمعصيته و خص بعض عباده بعبادته و لم يعمهم بنعمته و كلف أكثرهم ما لا يطيقون من طاعته و خلق أفعال جميع بريته و عذب العصاة على ما فعله فيهم من معصيته و أمر بما لم يرد و نهى عما أراد و قضى بظلم العباد و أحب الفساد و كره من أكثر عباده الرشاد تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا
27 القول في كراهة إطلاق لفظ خالق على أحد من العباد
و أقول إن الخلق يفعلون و يحدثون و يخترعون و يصنعون و يكتسبون و لا أطلق القول عليهم بأنهم يخلقون و لا أقول إنهم خالقون و لا أتعدي ذكر ذلك فيما ذكر الله تعالى و لا أتجاوز به مواضعه من القرآن و على هذا القول‏
إجماع الإمامية و الزيدية و البغداديين من المعتزلة و أكثر المرجئة و أصحاب الحديث و خالف فيه البصريون من المعتزلة و أطلقوا على العباد أنهم خالقون فخرجوا بذلك من إجماع المسلمين‏
28 القول في اللطف و الأصلح‏
و أقول إن الله تعالى لا يفعل بعباده ما داموا مكلفين إلا أصلح الأشياء لهم في دينهم و دنياهم و إنه لا يدخرهم صلاحا و لا نفعا و إن من أغناه فقد فعل به الأصلح في التدبير و كذلك من أفقره و من أصحه و من أمرضه فالقول فيه كذلك.
و أقول إن ما أوجبه أصحاب اللطف من اللطف إنما وجب من جهة الجود و الكرم لا من حيث ظنوا أن العدل أوجبه و أنه لو لم يفعله لكان ظالما.
و أقول إن من علم الله تعالى أنه إذا خلقه و كلفه لم يؤمن و لا آمن أحد من الخلق لخلقه أو بقائه أو تكليفه أو فعل من أفعاله و لا انتفع به في دينه منتفع لم يجز أن يخلقه و من علم أنه إن أبقاه تاب من معصيته لم يجز أن يخترمه و أن عدل الله جل اسمه و جوده و كرمه يوجب ما وصفت و يقضي به و لا يجوز منه خلافه لاستحالة تعلق وصف العبث به أو البخل و الحاجة و هذا مذهب جمهور الإمامية و البغداديين كافة من المعتزلة و كثير  من المرجئة و الزيدية و البصريون من المعتزلة على خلافه و المجبرة توافقهم في الخلاف عليه‏
29 القول في ابتداء الخلق في الجنة
و أقول إنه لم يكن جائزا ابتداء الخلق في الجنة على وجه التنعيم من غير تكليف لأنه لو كان يكون اقتطاعا لمن علم الله تعالى منه أنه إن كلفه أطاع على النعيم المستحق على الأعمال الذي هو أعلى و أجل و أسنى من التفضل بالتنعيم و الله سبحانه أكرم من أن يقطع أحدا عن نفع حسن أو يقتصر به على فضل غيره أفضل منه له و أصلح في التدبير لأن ذلك لا يقع إلا من جاهل يحسن ذلك أو محتاج إلى منعه أو بخيل و الله تعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا و هذا مذهب جمهور الإمامية و قد جاءت به آثار عن الأئمة ع و البغداديون من المعتزلة يوافقون فيه و البصريون منهم يخالفون الجماعة عليه و يوافقهم في هذا الخلاف المجبرة و المشبهة
30 القول في المعرفة
و أقول إن المعرفة بالله تعالى اكتساب و كذلك المعرفة بأنبيائه ع و كل غائب و إنه لا يجوز الاضطرار إلى معرفة شي‏ء مما ذكرناه و هو مذهب كثير من الإمامية و البغداديين من المعتزلة خاصة و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المجبرة و الحشوية من أصحاب الحديث‏
31 القول في أن الله لا يعذب إلا على ذنب أو على فعل قبيح‏
و أقول إن الله جل جلاله عدل كريم لا يعذب أحدا إلا على ذنب اكتسبه أو جرم اجترمه أو قبيح نهاه عنه فارتكبه و هذا مذهب سائر أهل التوحيد سوى الجهم بن صفوان و عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب الجبائي فأما الجهم بن صفوان فإنه كان يزعم أن الله يعذب من اضطره إلى المعصية و لم يجعل له قدرة عليها و لا على تركها من الطاعة و أما عبد السلام الجبائي فإنه كان يزعم أن العبد قد يخلو من فعل الخير و القبيح معا و يخرج عن الفعل و الترك جميعا فيعذبه الله سبحانه على أنه لم يفعل الواجب و إن لم يكن بخروجه منهما فعل شيئا أو فعل به شي‏ء و هذا قول لم يسبقه إليه أحد من أهل التوحيد و هو في القبح كمذهب جهم و في بعض الوجوه أعظم قبحا منه‏
32 القول في عصمة الأنبياء ع‏
أقول إن جميع أنبياء الله ص معصومون من الكبائر قبل النبوة و بعدها و مما يستخف فاعله من الصغائر كلها و أما ما كان من صغير لا يستخف فاعله فجائز وقوعه منهم قبل النبوة و على غير تعمد و ممتنع منهم بعدها على كل حال و هذا مذهب جمهور الإمامية و المعتزلة بأسرها تخالف فيه‏
33 القول في عصمة نبينا محمد ص‏
و أقول إن نبينا محمدا ص ممن لم يعص الله عز و جل منذ خلقه الله عز و جل إلى أن قبضه و لا تعمد له خلافا و لا أذنب ذنبا على التعمد و لا النسيان و بذلك نطق القرآن و تواتر الخبر عن آل محمد ع و هو مذهب جمهور الإمامية و المعتزلة بأسرها على خلافه.
و أما ما يتعلق به أهل الخلاف من قول الله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ و أشباه ذلك في القرآن و يعتمدونه في الحجة على خلاف ما ذكرناه فإنه تأويل بضد ما توهموه و البرهان يعضده على البيان و قد نطق‏
الفرقان بما قد وصفناه فقال جل اسمه وَ النَّجْمِ إِذا هَوى‏ ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَ ما غَوى‏ فنفى بذلك عنه كل معصية و نسيان‏
34 القول في جهة إعجاز القرآن‏
و أقول إن جهة ذلك هو الصرف من الله تعالى لأهل الفصاحة و اللسان عن المعارضة للنبي ص بمثله في النظام عند تحديه لهم و جعل انصرافهم عن الإتيان بمثله و إن كان في مقدورهم دليلا على نبوته ص و اللطف من الله تعالى مستمر في الصرف عنه إلى آخر الزمان و هذا من أوضح برهان في الإعجاز و أعجب بيان و هو مذهب النظام و خالف فيه جمهور أهل الاعتزال‏
35 القول في النبوة أ هي تفضل أو استحقاق‏
و أقول إن تعليق النبوة تفضل من الله تعالى على من اختصه بكرامته لعلمه بحميد عاقبته و اجتماع الخلال الموجبة في الحكمة بنبوته في التفضيل على من سواه فأما التعظيم على القيام بالنبوة و التبجيل و فرض الطاعة
فذلك يستحق بعلمه الذي ذكرناه و هذا مذهب الجمهور من أهل الإمامة و جميع فقهائنا و أهل النقل منها و إنما خالف فيه أصحاب التناسخ المعتزين إلى الإمامية و غيرهم و وافقهم على ذلك من متكلمي الإمامية بنو نوبخت و من اتبعهم بأسره من المنتمين إلى الكلام و جمهور المعتزلة على القول بالتفضل فيها و أصحاب الحديث بأسرهم على مثل هذا المقال‏
36 القول في الإمامة أ هي تفضل من الله عز و جل أم استحقاق‏
و أقول إن تكليف الإمامة في معنى التفضل به على الإمام كالنبوة على ما قدمت من المقال و التعظيم المفترض له و التبجيل و الطاعة مستحق بعزمه على القيام بما كلفه من الأعمال و على أعماله الواقعة منه أيضا حالا بعد حال و هذا مذهب الجمهور من الإمامية على ما ذكرت في النبوة و قد خالف فيه منهم من قدمت ذكره و معي فيه جمهور المعتزلة و سائر أصحاب الحديث‏
37 القول في عصمة الأئمة ع‏
و أقول إن الأئمة القائمين مقام الأنبياء ص في تنفيذ الأحكام و إقامة الحدود و حفظ الشرائع و تأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء و إنهم لا يجوز منهم صغيرة إلا ما قدمت ذكر جوازه على الأنبياء و إنه لا يجوز منهم سهو في شي‏ء في الدين و لا ينسون شيئا من الأحكام و على هذا مذهب سائر الإمامية إلا من شذ منهم و تعلق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنه الفاسد من هذا الباب و المعتزلة بأسرها تخالف في ذلك و تجوز من الأئمة وقوع الكبائر و الردة عن الإسلام‏
38 القول في ولاة الأئمة ع و عصمتهم و ارتفاعها و هل ولايتهم بالنص أو الاختيار
و أقول إنه ليس بواجب عصمة ولاة الأئمة ع و واجب علمهم بجميع ما يتولونه و فضلهم فيه على رعاياهم لاستحالة رئاسة المفضول على الفاضل فيما هو رئيس عليه فيه و ليس بواجب في ولايتهم النص على أعيانهم و جائز أن يجعل الله اختيارهم إلى الأئمة المعصومين ع و هذا
مذهب جمهور الإمامية و بنو نوبخت رحمهم الله يوجبون النص على أعيان ولاة الأئمة كما يوجبونه في الأئمة ع‏
39 القول في أحكام الأئمة ع‏
و أقول إن للإمام أن يحكم بعلمه كما يحكم بظاهر الشهادات و متى عرف من المشهود عليه ضد ما تضمنته الشهادة أبطل بذلك شهادة من شهد عليه و حكم فيه بما أعلمه الله تعالى و قد يجوز عندي أن تغيب عنه بواطن الأمور فيحكم فيها بالظواهر و إن كانت على خلاف الحقيقة عند الله تعالى و يجوز أن يدله الله تعالى على الفرق بين الصادقين من الشهود و بين الكاذبين فلا يغيب عنه حقيقة الحال و الأمور في هذا الباب متعلقة بالألطاف و المصالح التي لا يعلمها على كل حال إلا الله عز و جل.
و لأهل الإمامة في هذه المقالة ثلاثة أقوال فمنهم من يزعم أن أحكام الأئمة ع على الظواهر دون ما يعلمونه على كل حال.
و منهم من يزعم أن أحكامهم إنما هي على البواطن دون الظواهر التي يجوز فيها الخلاف.
و منهم من يذهب إلى ما اخترته أنا من المقال و لم أر لبني نوبخت رحمهم الله فيه ما أقطع على إضافته إليهم على يقين بغير ارتياب‏
40 القول في معرفة الأئمة ع بجميع الصنائع و سائر اللغات‏
و أقول إنه ليس يمتنع ذلك منهم و لا واجب من جهة العقل و القياس و قد جاءت أخبار عمن يجب تصديقه بأن أئمة آل محمد ص قد كانوا يعلمون ذلك فإن ثبت وجب القطع به من جهتها على الثبات و لي في القطع به منها نظر و الله الموفق للصواب و على قولي هذا جماعة من الإمامية و قد خالف فيه بنو نوبخت رحمهم الله و أوجبوا ذلك عقلا و قياسا و وافقهم فيه المفوضة كافة و سائر الغلاة
41 القول في علم الأئمة ع بالضمائر و الكائنات و إطلاق القول عليهم بعلم الغيب و كون ذلك لهم في الصفات‏
و أقول إن الأئمة من آل محمد ص قد كانوا يعرفون ضمائر بعض العباد و يعرفون ما يكون قبل كونه و ليس ذلك بواجب في صفاتهم و لا شرطا في إمامتهم و إنما أكرمهم الله تعالى به و أعلمهم إياه للطف في طاعتهم و التمسك بإمامتهم و ليس ذلك بواجب عقلا و لكنه وجب لهم من جهة السماع فأما إطلاق القول عليهم بأنهم يعلمون الغيب فهو منكر بين الفساد لأن الوصف بذلك إنما يستحقه من علم الأشياء بنفسه لا بعلم مستفاد و هذا لا يكون إلا الله عز و جل و على قولي هذا جماعة أهل الإمامة إلا من شذ عنهم من المفوضة و من انتمى إليهم من الغلاة
42 القول في الإيحاء إلى الأئمة و ظهور الإعلام عليهم و المعجزات‏
و أقول إن العقل لا يمنع من نزول الوحي إليهم و إن كانوا أئمة غير أنبياء فقد أوحى الله عز و جل إلى أم موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ فعرفت صحة ذلك بالوحي و عملت عليه و لم تكن نبيا و لا رسولا و لا إماما و لكنها كانت من عباد الله الصالحين و إنما منعت من نزول الوحي عليهم و الإيحاء بالأشياء إليهم للإجماع على المنع من ذلك و الاتفاق على أنه من يزعم أن أحدا بعد نبينا ص يوحى إليه فقد أخطأ و كفر و لحصول العلم بذلك من دين النبي ص كما أن العقل لم يمنع من بعثة نبي بعد نبينا ص و نسخ شرعه كما نسخ ما قبله من شرائع الأنبياء و إنما منع ذلك الإجماع و العلم بأنه خلاف دين النبي ص من جهة اليقين و ما يقارب الاضطرار و الإمامية جميعا على ما ذكرت ليس بينها فيه على ما وصفت خلاف.
فأما ظهور المعجزات عليهم و الإعلام فإنه من الممكن الذي ليس بواجب عقلا و لا ممتنع قياسا و قد جاءت بكونه منهم ع الأخبار على التظاهر و الانتشار فقطعت عليه من جهة السمع و صحيح الآثار و معي في هذا الباب جمهور أهل الإمامة و بنو نوبخت تخالف فيه و تأباه و كثير من المنتمين‏
إلى الإمامية يوجبونه عقلا كما يوجبونه للأنبياء و المعتزلة بأسرها على خلافنا جميعا فيه سوى ابن الإخشيد و من اتبعه يذهبون فيه إلى الجواز و أصحاب الحديث كافة تجوزه لكل صالح من أهل التقى و الإيمان‏
43 القول في ظهور المعجزات على المنصوبين من الخاصة و السفراء و الأبواب‏
و أقول إن ذلك جائز لا يمنع منه عقل و لا سنة و لا كتاب و هو مذهب جماعة من مشايخ الإمامية و إليه يذهب ابن الإخشيد من المعتزلة و أصحاب الحديث في الصالحين و الأبرار و بنو نوبخت من الإمامية يمنعون ذلك و يوافقون المعتزلة في الخلاف علينا فيه و يجامعهم على ذلك الزيدية و الخوارج المارقة عن الإسلام‏
44 القول في سماع الأئمة ع كلام الملائكة الكرام و إن كانوا لا يرون منهم الأشخاص‏
و أقول بجواز هذا من جهة العقل و أنه ليس بممتنع في الصديقين من الشيعة المعصومين من الضلال و قد جاءت بصحته و كونه للأئمة ع و من‏
سميت من شيعتهم الصالحين الأبرار الأخيار واضحة الحجة و البرهان و هو مذهب فقهاء الإمامية و أصحاب الآثار منهم و قد أباه بنو نوبخت و جماعة من أهل الإمامة لا معرفة لهم بالأخبار و لم يمعنوا النظر و لا سلكوا طريق الصواب‏
45 القول في صدق منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة ع و ارتفاع الشبهات عنهم و الأحلام‏
و أقول إن منامات الرسل و الأنبياء و الأئمة ع صادقة لا تكذب و إن الله تعالى عصمهم عن الأحلام و بذلك جاءت الأخبار عنهم ع على الظهور و الانتشار و على هذا القول جماعة فقهاء الإمامية و أصحاب النقل منهم و أما متكلموهم فلا أعرف لهم نفيا و لا إثباتا و لا مسألة فيه و لا جوابا و المعتزلة بأسرها تخالفنا فيه‏
46 القول في المفاضلة بين الأئمة و الأنبياء ع‏
قد قطع قوم من أهل الإمامة بفضل الأئمة ع من آل محمد ص على سائر من تقدم من الرسل و الأنبياء سوى نبينا محمد ص و أوجب فريق منهم لهم الفضل على جميع الأنبياء سوى أولي العزم منهم ع و أبى القولين فريق منهم آخر و قطعوا بفضل الأنبياء كلهم على سائر الأئمة ع و
هذا باب ليس للعقول في إيجابه و المنع منه مجال و لا على أحد الأقوال فيه إجماع و قد جاءت آثار عن النبي ص في أمير المؤمنين ع و ذريته من الأئمة و الأخبار عن الأئمة الصادقين أيضا من بعد و في القرآن مواضع تقوي العزم على ما قاله الفريق الأول في هذا المعنى و أنا ناظر فيه و بالله أعتصم من الضلال‏
47 القول في تكليف الملائكة
و أقول إن الملائكة مكلفون و موعودون و متوعدون قال الله تبارك و تعالى وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ و أقول إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار و على هذا القول جمهور الإمامية و سائر المعتزلة و أكثر المرجئة و جماعة من أصحاب الحديث و قد أنكر قوم من الإمامية أن تكون الملائكة مكلفين و زعموا أنهم إلى الأعمال مضطرون و وافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث‏
48 القول في المفاضلة بين الأئمة ع و الملائكة
أما الرسل من الملائكة و الأنبياء ع فقولي فيهم مع أئمة آل محمد ص كقولي في الأنبياء من البشر و الرسل ع و أما باقي الملائكة فإنهم و إن بلغوا بالملكية فضلا فالأئمة من آل محمد ص أفضل منهم و أعظم ثوابا عند الله عز و جل بأدلة ليس موضعها هذا الكتاب‏
49 القول في احتمال الرسل و الأنبياء و الأئمة الآلام و أحوالهم بعد الممات‏
و أقول إن رسل الله تعالى من البشر و أنبياءه و الأئمة من خلفائه محدثون مصنوعون تلحقهم الآلام و تحدث لهم اللذات و تنمي أجسامهم بالأغذية و تنقص على مرور الزمان و يحل بهم الموت و يجوز عليهم الفناء و على هذا القول إجماع أهل التوحيد و قد خالفنا فيه المنتمون إلى التفويض و طبقات الغلاة و أما أحوالهم بعد الوفاة فإنهم ينقلون من تحت التراب فيسكنون بأجسامهم و أرواحهم جنة الله تعالى فيكونون فيها أحياء يتنعمون إلى يوم الممات يستبشرون بمن يلحق بهم من صالحي أممهم و شيعتهم و يلقونه بالكرامات و ينتظرون من يرد عليهم من أمثال السابقين من ذوي الديانات و إن رسول الله ص و الأئمة من عترته خاصة لا يخفى عليهم بعد الوفاة أحوال شيعتهم في دار الدنيا بإعلام الله تعالى لهم ذلك حالا بعد حال و يسمعون كلام المناجي لهم في مشاهدهم المكرمة العظام بلطيفة من لطائف الله تعالى بينهم بها من جمهور العباد و تبلغهم المناجاة من بعد كما جاءت به الرواية و هذا مذهب فقهاء الإمامية كافة و حملة الآثار منهم و لست أعرف‏
فيه لمتكلميهم من قبل مقالا و بلغني عن بني نوبخت ره خلاف فيه و لقيت جماعة من المقصرين عن المعرفة ممن ينتمي إلى الإمامة أيضا يأبونه و قد قال الله تعالى فيما يدل على الجملة وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و ما يتلو هذا من الكلام و قال في قصة مؤمن آل فرعون قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَ جَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ‏
و قال رسول الله ص من سلم علي عند قبري سمعته و من سلم علي من بعيد بلغته سلام الله عليه و رحمة الله و بركاته‏
ثم الأخبار في تفصيل ما ذكرناه من الجمل عن أئمة آل محمد ص بما وصفناه نصا و لفظا أكثر و ليس هذا الكتاب موضع ذكرها فكنت أوردها على التفصيل و البيان‏
50 القول في رؤية المحتضرين رسول الله ص و أمير المؤمنين ع عند الوفاة
هذا باب قد أجمع عليه أهل الإمامة و تواتر الخبر به‏
عن الصادقين من‏
الأئمة ع و جاء عن أمير المؤمنين ع أنه قال للحارث الهمداني رحمه الله‏
يا حار همدان من يمت يرني             من مؤمن أو منافق قبلا
يعرفني طرفه و أعرفه             بعينه و اسمه و ما فعلا
في أبيات مشهورة و فيه يقول إسماعيل بن محمد السيد رحمه الله‏
و يراه المحضور حين تكون             الروح بين اللهاة و الحلقوم‏
و متى ما يشاء أخرج للناس             فتدمى وجوههم بالكلوم‏
غير أني أقول فيه إن معنى رؤية المحتضر لهما ع هو العلم بثمرة ولايتهما أو الشك فيهما و العداوة لهما أو التقصير في حقوقهما على اليقين بعلامات يجدها في نفسه و أمارات و مشاهدة أحوال و معاينة مدركات لا يرتاب معها بما ذكرناه دون رؤية البصر لأعيانهما و مشاهدة النواظر لأجسادهما باتصال الشعاع و قد قال الله عز و جل فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ و إنما أراد جل شأنه بالرؤية هاهنا معرفة ثمرة الأعمال على اليقين الذي لا يشوبه ارتياب و قال سبحانه مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ و لقاء الله تعالى هو لقاء جزائه على الأعمال و على هذا القول محققو النظر من الإمامية و قد خالفهم فيه جماعة من حشويتهم و زعموا أن المحتضر يرى نبيه و وليه ببصره كما يشاهد المرئيات و أنهما يحضران مكانه و يجاورانه بأجسامهما في المكان‏
51 القول في رؤية المحتضر الملائكة
و القول عندي في ذلك كالقول في رؤيته لرسول الله و أمير المؤمنين ع و جائز أن يراهم ببصره بأن يزيد الله تعالى في شعاعه ما يدرك به أجسامهم الشفافة الرقيقة و لا يجوز مثل ذلك في رسول الله ص و أمير المؤمنين ع لاختلاف بين أجسامهما و أجسام الملائكة في التركيبات و هذا مذهب جماعة من متكلمي الإمامية و من المعتزلة البلخي و جماعة من أهل بغداد
52 القول في أحوال المكلفين من رعايا الأئمة ع بعد الوفاة
أقول إنهم أربع طبقات طبقة يحييهم الله و يسكنهم مع أوليائهم في الجنان و طبقة يحيون و يلحقون بأئمتهم في محل الهوان و طبقة أقف فيهم و أجوز حياتهم و أجوز كونهم على حال الأموات و طبقة لا يحيون بعد الموت حتى النشور و المآب.
فأما الطبقة المنعمة فهم المستبصرون في المعارف المتمحصون للطاعات و أما المعذبة فهم المعاندون للحق المسرفون في اقتراف السيئات و أما المشكوك في حياتهم و بقائهم مع الأموات فهم الفاسقون من أهل المعرفة و الصلاة الذين اقترفوا الآثام على التحريم لها للشهوة دون العناد و الاستحلال و سوفوا التوبة منها فاخترموا دون ذلك فهؤلاء جائز من الله عز و جل اسمه رفع الموت عنهم لتعذيبهم في البرزخ على ما اكتسبوه من الأجرام و تطهيرهم بذلك منها قبل‏
الحشر ليردوا القيامة على الأمان من نار جهنم و يدخلوا بطاعتهم الجنان و جائز تأخير حياتهم إلى يوم الحساب لعقابهم هناك أو العفو عنهم كما يشاء الله عز و جل و أمرهم في هذين القسمين مطوي عن العباد.
و أما الطبقة الرابعة فهم المقصرون عن الغاية في المعارف عن غير عناد و المستضعفون من سائر الناس و هذا القول على الشرح الذي أثبت هو مذهب نقلة الآثار من الإمامية و طريقة السمع و صحيح الأخبار و ليس لمتكلميهم من قبل فيه مذهب مذكور
53 القول في نزول الملكين على أصحاب القبور و مساءلتهما عن الاعتقاد
و أقول إن ذلك صحيح و عليه إجماع الشيعة و أصحاب الحديث و تفسير مجمله أن الله تعالى ينزل على من يريد تنعيمه بعد الموت ملكين اسمهما مبشر و بشير فيسألانه عن ربه جلت عظمته و عن نبيه و وليه فيجيبهما بالحق الذي فارق الدنيا على اعتقاده و الصواب و يكون الغرض في مساءلتهما استخراج العلامة بما يستحقه من النعيم فيجدانها منه في الجواب.
و ينزل جل جلاله على من يريد تعذيبه في البرزخ ملكين اسماهما ناكر و نكير فيوكلهما بعذابه و يكون الغرض من مساءلتهما له استخراج علامة استحقاقه من العذاب بما يظهر من جوابه من التلجلج عن الحق أو الخبر عن سوء
الاعتقاد أو إبلاسه و عجزه عن الجواب و ليس ينزل الملكان من أصحاب القبور إلا على من ذكرناه و لا يتوجه سؤالهما منهم إلا إلى الأحياء بعد الموت لما وصفناه و هذا هو مذهب حملة الأخبار من الإمامية و لهم فيما سطرت منه آثار و ليس لمتكلميهم من قبل فيه مقال عرفته فأحكيه على النظام‏
54 القول في تنعيم أصحاب القبور و تعذيبهم و على أي شي‏ء يكون الثواب لهم و العقاب و من أي وجه يصل إليهم ذلك و كيف تكون صورهم في تلك الأحوال‏
و أقول إن الله تعالى يجعل لهم أجساما كأجسامهم في دار الدنيا ينعم مؤمنيهم فيها و يعذب كفارهم فيها و فساقهم فيها دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق و تندرس و تبلى على مرور الأوقات و ينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور و هذا يستمر على مذهبي في النفس و معنى الإنسان المكلف عندي هو الشي‏ء المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر و الأعراض و معي به روايات عن الصادقين من آل محمد ص و لست أعرف لمتكلم من الإمامية قبلي فيه مذهبا فأحكيه و لا أعلم بيني و بين فقهاء الإمامية و أصحاب الحديث فيه اختلافا
55 القول في الرجعة
و أقول إن الله تعالى يرد قوما من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي‏
كانوا عليها فيعز منهم فريقا و يذل فريقا و يديل المحقين من المبطلين و المظلومين منهم من الظالمين و ذلك عند قيام مهدي آل محمد ع. و أقول إن الراجعين إلى الدنيا فريقان أحدهما من علت درجته في الإيمان و كثرت أعماله الصالحات و خرج من الدنيا على اجتناب الكبائر الموبقات فيريه الله عز و جل دولة الحق و يعزه بها و يعطيه من الدنيا ما كان يتمناه و الآخر من بلغ الغاية في الفساد و انتهى في خلاف المحقين إلى أقصى الغايات و كثر ظلمه لأولياء الله و اقترافه السيئات فينتصر الله تعالى لمن تعدى عليه قبل الممات و يشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت و من بعده إلى النشور و ما يستحقونه من دوام الثواب و العقاب و قد جاء القرآن بصحة ذلك و تظاهرت به الأخبار و الإمامية بأجمعها عليه إلا شذاذا منهم تأولوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه‏
56 القول في الحساب و ولاته و الصراط و الميزان‏
و أقول إن الحساب هو موافقة العبد على ما أمر به في دار الدنيا و إنه يختص بأصحاب المعاصي من أهل الإيمان و أما الكفار فحسابهم جزاؤهم‏
بالاستحقاق و المؤمنون الصالحون يوفون أجورهم بغير حساب.
و أقول إن المتولي لحساب من ذكرت رسول الله ص و أمير المؤمنين ع و الأئمة من ذريتهما ع بأمر الله تعالى لهم بذلك و جعله إليهم تكرمة لهم و إجلالا لمقاماتهم و تعظيما على سائر العباد و بذلك جاءت الأخبار المستفيضة عن الصادقين ع عن الله تعالى و قد قال الله عز و جل وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ يعني الأئمة ع على ما جاء في التفسير الذي لا شك في صحته و لا ارتياب.
و أقول إن الصراط جسر بين الجنة و النار تثبت عليه أقدام المؤمنين و تزل عنه أقدام الكفار إلى النار و بذلك جاءت أيضا الأخبار و أما الميزان فهو التعديل بين الأعمال و المستحق عليها و المعدلون في الحكم إذ ذاك هم ولاة الحساب من أئمة آل محمد ص و على هذا القول إجماع نقلة الحديث من أهل الإمامة و أما متكلموهم من قبل فلم أسمع لهم في شي‏ء منه كلاما
57 القول في الشفاعة
و أقول إن رسول الله ص يشفع يوم القيامة في مذنبي أمته من الشيعة خاصة فيشفعه الله عز و جل و يشفع أمير المؤمنين ع في عصاة شيعته فيشفعه الله عز و جل و تشفع الأئمة ع في مثل ما ذكرناه من شيعتهم فيشفعهم و يشفع المؤمن البر لصديقه المؤمن المذنب فتنفعه شفاعته و يشفعه الله و على هذا القول إجماع الإمامية إلا من شذ منهم و قد نطق به القرآن و تظاهرت به‏
الأخبار قال الله تعالى في الكفار عند إخباره عن حسراتهم على الفائت لهم مما حصل لأهل الإيمان فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَ لا صَدِيقٍ حَمِيمٍ‏
و قال رسول الله ص إني أشفع يوم القيامة فأشفع و يشفع علي ع فيشفع و إن أدنى المؤمنين شفاعة يشفع في أربعين من إخوانه‏
58 القول في البداء و المشية
و أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ و أمثاله من الإفقار بعد الإغناء و الإمراض بعد الإعفاء و الإماتة بعد الإحياء و ما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال و الأرزاق و النقصان منها بالأعمال.
فأما إطلاق لفظ البداء فإنما صرت إليه بالسمع الوارد عن الوسائط بين العباد و بين الله عز و جل و لو لم يرد به سمع أعلم صحته ما استجزت إطلاقه كما أنه لو لم يرد علي سمع بأن الله تعالى يغضب و يرضى و يحب و يعجب لما أطلقت ذلك عليه سبحانه و لكنه لما جاء السمع به صرت إليه على المعاني التي لا تأباها العقول و ليس بيني و بين كافة المسلمين في هذا الباب خلاف و إنما خالف من خالفهم في اللفظ دون ما سواه و قد أوضحت عن علتي في إطلاقه بما يقصر معه الكلام و هذا مذهب الإمامية بأسرها و كل من فارقها في المذهب ينكره على ما وصفت من الاسم دون المعنى و لا يرضاه‏
59 القول في تأليف القرآن و ما ذكر قوم من الزيادة فيه و النقصان‏
أقول إن الأخبار قد جاءت مستفيضة عن أئمة الهدى من آل محمد ص باختلاف القرآن و ما أحدثه بعض الظالمين فيه من الحذف‏
و النقصان فأما القول في التأليف فالموجود يقضي فيه بتقديم المتأخر و تأخير المتقدم و من عرف الناسخ و المنسوخ و المكي و المدني لم يرتب بما ذكرناه.
و أما النقصان فإن العقول لا تحيله و لا تمنع من وقوعه و قد امتحنت مقالة من ادعاه و كلمت عليه المعتزلة و غيرهم طويلا فلم أظفر منهم بحجة أعتمدها في فساده و قد قال جماعة من أهل الإمامة إنه لم ينقص من كلمة و لا من آية و لا من سورة و لكن حذف ما كان مثبتا في مصحف أمير المؤمنين ع من تأويله و تفسير معانيه على حقيقة تنزيله و ذلك كان ثابتا منزلا و إن لم يكن من جملة كلام الله تعالى الذي هو القرآن المعجز و قد يسمى تأويل القرآن قرآنا قال الله تعالى وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى‏ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فسمى تأويل القرآن قرآنا و هذا ما ليس فيه بين أهل التفسير اختلاف.
و عندي أن هذا القول أشبه من مقال من ادعى نقصان كلم من نفس القرآن على الحقيقة دون التأويل و إليه أميل و الله أسأل توفيقه للصواب.
و أما الزيادة فيه فمقطوع على فسادها من وجه و يجوز صحتها من وجه فالوجه الذي أقطع على فساده أن يمكن لأحد من الخلق زيادة مقدار سورة فيه على حد يلتبس به عند أحد من الفصحاء و أما الوجه المجوز فهو أن يزاد فيه الكلمة و الكلمتان و الحرف و الحرفان و ما أشبه ذلك مما لا يبلغ حد الإعجاز و يكون ملتبسا عند أكثر الفصحاء بكلم القرآن غير أنه لا بد متى وقع ذلك من أن‏
يدل الله عليه و يوضح لعباده عن الحق فيه و لست أقطع على كون ذلك بل أميل إلى عدمه و سلامة القرآن عنه و معي بذلك حديث عن الصادق جعفر بن محمد ع و هذا المذهب بخلاف ما سمعناه عن بني نوبخت رحمهم الله من الزيادة في القرآن و النقصان فيه و قد ذهب إليه جماعة من متكلمي الإمامية و أهل الفقه منهم و الاعتبار
60 القول في أبواب الوعيد
و أقول في الوعيد ما قد تقدم حكايته عن جماعة الإمامية و أقول بعد ذلك إن من عمل لله عملا و تقرب إلى الله بقربة أثابه على ذلك بالنعيم المقيم في جنات الخلود و بنو نوبخت رحمهم الله يذهبون إلى أن كثيرا من المطيعين لله سبحانه و تعالى يثابون على طاعتهم في دار الدنيا و ليس لهم فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ و معي على ما ذهبت إليه أكثر المرجئة و جماعة من الإمامية
61 القول في تحابط الأعمال‏
و أقول إنه لا تحابط بين المعاصي و الطاعات و لا الثواب و لا العقاب و هو مذهب جماعة من الإمامية و المرجئة و بنو نوبخت يذهبون إلى التحابط فيما ذكرناه و يوافقون في ذلك أهل الاعتزال‏
62 القول في الكفار و هل فيهم من يعرف الله عز و جل و تقع منهم الطاعات‏
و أقول إنه ليس يكفر بالله عز و جل من هو به عارف و لا يطيعه من هو لنعمته جاحد و هذا مذهب جمهور الإمامية و أكثر المرجئة و بنو نوبخت رحمهم الله يخالفون في هذا الباب و يزعمون أن كثيرا من الكفار بالله تعالى عارفون و لله تعالى في أفعال كثيرة مطيعون و أنهم في الدنيا على ذلك يجازون و يثابون و معهم على بعض هذا القول المعتزلة و على البعض الآخر جماعة من المرجئة
63 القول في الموافاة
و أقول إن من عرف الله تعالى وقتا من دهره و آمن به حالا من زمانه فإنه لا يموت إلا على الإيمان به و من مات على الكفر بالله تعالى فإنه لم يؤمن به وقتا من الأوقات و معي بهذا القول أحاديث عن الصادقين ع و إليه ذهب كثير من فقهاء الإمامية و نقلة الأخبار و هو مذهب كثير من المتكلمين في الإرجاء و بنو نوبخت رحمهم الله يخالفون فيه و يذهبون في خلافه مذاهب أهل الاعتزال‏
64 القول في صغائر الذنوب‏
و أقول إنه ليس في الذنوب صغيرة في نفسه و إنما يكون فيها
بالإضافة إلى غيره و هو مذهب أكثر أهل الإمامة و الإرجاء و بنو نوبخت رحمهم الله يخالفون فيه و يذهبون في خلافه إلى مذهب أهل الوعيد و الاعتزال‏
65 القول في العموم و الخصوص‏
و أقول إن لأخص الخصوص صورة في اللسان و ليس لأخص العموم و لا لأعمه صيغة في اللغة و إنما يعرف المراد منه بما يقترن إليه من الأمارات و هذا مذهب جمهور الراجئة و كافة متكلمي الإمامية إلا من شذ عنها و وافق الراجئة أهل الاعتزال‏
66 القول في الأسماء و الأحكام‏
و أقول إن مرتكبي الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار مؤمنون بإيمانهم بالله و برسوله و بما جاء من عنده و فاسقون بما معهم من كبائر الآثام و لا أطلق لهم اسم الفسق و لا اسم الإيمان بل أقيدهما جميعا في تسميتهم بكل واحد منهما و أمتنع من الوصف لهم بهما من الإطلاق و أطلق عليهم اسم الإسلام بغير تقييد و على كل حال و هذا مذهب الإمامية إلا بني نوبخت فإنهم خالفوا فيه و أطلقوا للفساق اسم الإيمان‏
67 القول في التوبة
و أقول في التوبة بما قدمت ذكره عن جماعة الإمامية و من بعد ذلك إنها مقبولة من كل عاص ما لم ييأس من الحياة قال الله عز و جل وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفَّارٌ و قوله سبحانه حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَ مِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى‏ يَوْمِ يُبْعَثُونَ و لست أعلم بين أهل العلم كافة في هذا الباب اختلافا
68 القول في حقيقة التوبة
أقول إن حقيقة التوبة هو الندم على ما فات على وجه التوبة إلى الله عز و جل و شرطها هو العزم على ترك المعاودة إلى مثل ذلك الذنب في جميع حياته فمن لم يجمع في توبته من ذنبه ما ذكرناه فليس بتائب و إن ترك فعل أمثال ما سلف منه من معاصي الله عز و جل و هذا مذهب جمهور أهل العدل و لست أعرف فيه لمتكلمي الإمامية شيئا أحكيه و عبد السلام الجبائي و من اتبعه يخالفون فيه‏
69 القول في التوبة من القبيح مع الإقامة على مثله في القبح‏
أقول إن التوبة من ذلك تصح و إن اعتقد التائب قبح ما يقيم عليه إذا اختلفت الدواعي في المتروك و المعزوم عليه فأما إذا اتفقت الدواعي فيه فلا تصح التوبة منه و هذا مذهب جميع أهل التوحيد سوى أبي هاشم الجبائي فإنه زعم أن التوبة لا تصح من قبيح مع الإقامة على ما يعتقد قبحه و إن كان حسنا فضلا عن أن يكون قبيحا
70 القول في التوبة من مظالم العباد
أقول إن من شرط التوبة إلى الله سبحانه من مظالم العباد الخروج إلى المظلومين من حقوقهم بأدائها إليهم أو باستحلالهم منها على طيبة النفس بذلك و الاختيار له فمن عدم منهم صاحب المظلمة و فقده خرج إلى أوليائه من ظلامته أو استحلهم منها على ما ذكرناه و من عدم الأولياء حقق العزم على الخروج إليهم متى وجدهم و استفرغ الوسع في ذلك بالطلب في حياته و الوصية له بعد وفاته و من جهل أعيان المظلومين أو مواضعهم حقق العزم و النية في الخروج من الظلامة إليهم متى عرفهم و جهد و أجهد نفسه في التماسهم فإذا خاف فوت ذلك بحضور أجله وصى به على ما قدمناه و من لم يجد طولا لرد
المظالم سأل الناس الصلة له و المعونة على ما يمكنه من ردها أو آجر نفسه إن نفعه ذلك و كان طريقا إلى استفادة ما يخرج به من المظالم إلى أهلها.
و الجملة في هذا الباب أنه يجب على الظالمين استفراغ الجهد مع التوبة في الخروج من مظالم العباد فإنه إذا علم الله ذلك منهم قبل توبتهم و عوض المظلومين عنهم إذا عجز التائبون عن رد ظلاماتهم و إن قصر التائبون من الظلم فيما ذكرناه كان أمرهم إلى الله عز و جل فإن شاء عاقبهم و إن شاء تفضل عليهم بالعفو و الغفران و على هذا إجماع أهل الصلاة من المتكلمين و الفقهاء
71 القول في التوبة من قتل المؤمنين‏
أقول من قتل مؤمنا على وجه التحريم لدمه دون الاستحلال ثم أراد التوبة مما فعله فعليه أن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول فإن شاءوا استقادوا منه و إن شاءوا ألزموه الدية و إن شاءوا عفوا عنه و إن لم يفعل ذلك لم تقبل توبته و إن فعله كانت توبته مقبولة و سقط عنه بها عقاب ما جناه و بهذا نطق القرآن و عليه انعقد الإجماع و إنما خالف فيه شذاذ من الحشوية و العوام و أما القول فيمن استحل دماء المؤمنين و قتل منهم مؤمنا على الاستحلال فإن العقل لا يمنع من توبته و قبول التوبة منه لكن السمع ورد عن الصادقين من أئمة الهدى ع أنه من فعل ذلك لم يوفق للتوبة أبدا و لم يتب على الوجه الذي يسقط عنه العقاب به مختارا لذلك غير مجبر و لا مضطر كما
ورد الخبر عنهم ع أن ولد
الزناء لا ينجب و لا يختار عند بلوغه الإيمان على الحقيقة و إن أظهره على كل حال و إنما يظهره على الشك فيه أو النفاق دون الاعتقاد له على الإيقان‏
و كما ورد الخبر عن الله عز و جل في جماعة من خلقه أن مآلهم إلى النار و أنهم لا يؤمنون به أبدا و لا يتركون الكفر به و الطغيان و على هذا القول إجماع الفقهاء من أهل الإمامة و رواة الحديث منهم و الآثار و لم أجد لمتكلميهم فيه مقالا أحكيه في جملة الأقوال‏
72 باب القول في بيان العلم بالغائبات و ما يجري مجراها من الأمور المستنبطات و هل يصح أن يكون اضطرارا أم جميعه من جهة الاكتساب‏
و أقول إن العلم بالله عز و جل و أنبيائه ع و بصحة دينه الذي ارتضاه و كل شي‏ء لا يدرك حقيقته بالحواس و لا يكون المعرفة به قائمة في البداية و إنما يحصل بضرب من القياس لا يصح أن يكون من جهة الاضطرار و لا يحصل على الأحوال كلها إلا من جهة الاكتساب كما لا يصح وقوع العلم بما طريقه الحواس من جهة القياس و لا يحصل العلم في حال من الأحوال بما في البداية من جهة القياس و هذا قد تقدم و زدنا فيه شرحا هاهنا للبيان و إليه يذهب جماعة البغداديين و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و المشبهة و أهل القدر و الإرجاء
73 القول في العلم بصحة الأخبار و هل يكون فيه اضطرار أم جميعه اكتساب‏
و أقول إن العلم بصحة جميع الأخبار طريقه الاستدلال و هو حاصل من جهة الاكتساب و لا يصح وقوع شي‏ء منه بالاضطرار و القول فيه كالقول في جملة الغائبات و إلى هذا القول يذهب جمهور البغداديين و يخالف فيه البصريون و المشبهة و أهل الإجبار
74 القول في حد التواتر من الأخبار
و أقول إن التواتر المقطوع بصحته في الأخبار هو نقل الجماعة التي يستحيل في العادة أن تتواطأ على افتعال خبر فينطوي ذلك و لا يظهر على البيان و هذا أمر يرجع إلى أحوال الناس و اختلاف دواعيهم و أسبابهم و العلم بذلك راجع إلى المشاهدة و الوجود و ليس يتصور للغائب عن ذلك بالعبارة و الكلام و هذا مذهب أصحاب التواتر من البغداديين و يخالف فيه البصريون و يحدونه بما أوجب علما على الاضطرار
75 القول فيما يدرك بالحواس و هل العلم به من فعل الله تعالى أو فعل العباد
و أقول إن العلم بالحواس على ثلاثة أضرب فضرب هو من فعل الله تعالى و ضرب من فعل الحاس و ضرب من فعل غيره من العباد.
فأما فعل الله تعالى فهو ما حصل للعالم به عن سبب من الله تعالى كعلمه بصوت الرعد و لون البرق و وجود الحر و البرد و أصوات الرياح و ما أشبه ذلك مما يبدو للحاس من غير أن يتعمل لإحساسه و يكون بسبب من الله سبحانه ليس للعباد فيه اختيار.
فأما فعل الحاس فهو ما حصل له عقيب فتح بصره أو الإصغاء بأذنه أو التعمل لإحساسه بشي‏ء من حواسه أو بفعله السبب الموجب لإحساس المحسوس و حصول العلم به.
و أما فعل غير الحاس من العباد فهو ما حصل للحاس بسبب من بعض العباد كالصائح بغيره و هو غير متعمل لسماعه أو المولم له فلا يمتنع من العلم بالألم عند إيلامه و ما أشبه ذلك و هذا مذهب جمهور المتكلمين من أهل بغداد و يخالف فيه من سميناه‏
76 القول في أهل الآخرة و هل هم مأمورون أو غير مأمورين‏
و أقول إن أهل الآخرة مأمورون بعقولهم بالسداد و محسن لهم ما حسن لهم في دار الدنيا من الرشاد و إن القلوب لا تنقلب عما هي عليه الآن و لا تتغير عن حقيقتها على كل حال و هذا مذهب متكلمي أهل بغداد و يخالف فيه البصريون و من ذكرناه‏
77 القول في أهل الآخرة و هل هم مكلفون أو غير مكلفين‏
و أقول إن أهل الآخرة صنفان فصنف منهم في الجنة و هم فيها مأمورون بما يؤثرون و يخف على طباعهم و يميلون إليه و لا يثقل عليهم من شكر المنعم سبحانه و تعظيمه و حمده على تفضله عليهم و إحسانه إليهم و ما أشبه ذلك من الأفعال و ليس الأمور لهم بما وصفناه إذا كانت الحال فيه ما ذكرناه تكليفا لأن التكليف إنما هو إلزام ما يثقل على الطباع و يلحق بفعله المشاق.
و الصنف الآخر في النار و هم من العذاب و كلفه و مشاقه و آلامه على ما لا يحصى من أصناف التكليف للأعمال و ليس يتعرون من الأمر و النهي بعقولهم حسب ما شرحناه و هذا قول الفريق الذي قدمناه و يخالف فيه من الفرق من سميناه و ذكرناه‏
78 القول في أهل الآخرة و هل هم مختارون لأفعالهم أو مضطرون أم ملجئون على ما يذهب إليه أهل الخلاف‏
و أقول إن أهل الآخرة مختارون لما يقع منهم من الأفعال و ليسوا مضطرين و لا ملجئين و إن كان لا يقع منهم الكفر و العناد.
و أقول إن الذي يرفع توهم وقوع الفساد منهم وقوع دواعيهم إليه لا ما ذهب إليه من خالف في ذلك من الإلجاء و الاضطرار و هو مذهب متكلمي البغداديين و كان أبو الهذيل العلاف يذهب إلى أن أهل الآخرة مضطرون إلى الأفعال و الجبائي و ابنه يزعمان أنهم ملجئون إلى الأعمال‏
79 القول في أهل الآخرة و هل يقع منهم قبيح من الأفعال‏
أقول إن أهل الآخرة صنفان فصنف من أهل الجنة مستغنون عن فعل القبيح و لا يقع منهم شي‏ء منه على الوجوه كلها و الأسباب لتوفر دواعيهم إلى محاسن الأفعال و ارتفاع دواعي فعل القبيح عنهم على كل حال.
و الصنف الآخر من أهل النار قد يقع منهم القبيح على غير العناد قال الله‏
تعالى وَ لَوْ تَرى‏ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَ لا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَ نَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ و قال سبحانه وَ يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَ اللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ فأخبر جل اسمه عن كذبهم في الآخرة و الكذب قبيح بعينه و باطل على كل حال و هذا المذهب أيضا مذهب من ذكرناه من متكلمي أهل بغداد و يخالف فيه البصريون من أهل الاعتزال‏
80 القول في المقطوع و الموصول‏
و أقول إن كل عمل ذي أجزاء من الفعل أمر الله تعالى بالإتيان به على الكمال و جعله مفترضا و سنة يستحق به الثواب كالصلاة و الصيام و الزكاة و الحج و أشباه ذلك من الطاعات ثم علم سبحانه أن العبد يقطعه قبل تمامه مختارا أو يفسده متعمدا بترك كماله فإنه لا يقع منه شي‏ء على وجه القربة إليه جل اسمه و متى ابتدأ به لقربة الله تعالى في الحقيقة فلن يقطعه فاعله مختارا و لن يفسده بترك كماله متعمدا و لا بد أن يصله حتى يأتي به على نظامه مؤثرا لذلك مختارا و هذا الباب لاحق بباب الموافاة في معناه و هو مذهب هشام بن الفوطي من المعتزلة و زرارة بن أعين و محمد بن الطيار و جماعة كثيرة من متكلمي الإمامية و يخالف فيه جمهور المعتزلة و سائر الزيدية و أكثر أهل التشبيه و طوائف من المرجئة
81 القول في حكم الدار
و أقول إن الحكم في الدار على الأغلب فيها و كل موضع غلب فيه الكفر فهو دار كفر و كل موضع غلب فيه الإيمان فهو دار إيمان و كل موضع غلب فيه الإسلام دون الإيمان فهو دار إسلام قال الله تعالى في وصف الجنة وَ لَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ و إن كان فيها أطفال و مجانين و قال في وصف النار سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ و إن كان فيها ملائكة الله مطيعون فحكم على كلتا الدارين بحكم الأغلب فيها.
و أقول لما وصفت أن كل صقع من بلاد الإسلام ظهرت فيه الشهادتان و الصلوات الخمس و صيام شهر رمضان و زكاة الأموال و اعتقاد فرض الحج إلى البيت الحرام و لم يظهر فيه القول بإمامة آل محمد ع أنه دار إسلام لا دار إيمان و أن كل صقع من بلاد الإسلام كثر أهله أو قل عددهم ظهرت فيه شرائع الإسلام و القول بإمامة آل محمد ع فهو دار إسلام و دار إيمان و قد تكون الدار عندي دار كفر ملة و إن كانت دار إسلام و لا يصح أن تكون كذلك و هي دار إيمان و هذا مذهب جماعة من نقلة الأخبار من شيعة آل محمد ع و على جمل مقدماته و أصوله التي ذكرت جماعة كثيرة من أهل الاعتزال‏
باب القول في اللطيف من الكلام‏
82 القول في الجواهر
الجواهر عندي هي الأجزاء التي تتألف منها الأجسام و لا يجوز على كل واحد في نفسه الانقسام و على هذا القول أهل التوحيد كافة سوى شذاذ من أهل الاعتزال و يخالف فيه الملحدون و من المنتمين إلى الموحدين إبراهيم بن سيار النظام‏
83 القول في الجواهر أ هي متجانسة أم بينها اختلاف‏
و أقول إن الجواهر كلها متجانسة و إنما تختلف بما يختلف في نفسه من الأعراض و على هذا القول جمهور الموحدين‏
84 القول في الجواهر أ لها مساحة في نفسها و أقدار
أقول إن الجوهر له قدر في نفسه و حجم من أجله كان له حيز في الوجود و به فارق معنى ما خرج عن حقيقته و على هذا القول أكثر أهل التوحيد
85 القول في حيز الجواهر و الأكوان‏
و أقول إن كل جوهر فله حيز في الوجود و إنه لا يخلو عن عرض يكون به في بعض المحاذيات أو ما يقدره تقدير ذلك و هذا العرض يسميه بعض المتكلمين كونا و على هذا القول أكثر أهل التوحيد
86 القول في الجواهر و ما يلزمها من الأعراض‏
أقول إن كل عرض يصح حلوله في الجوهر و يكون الجوهر محتملا لوجوده فإنه لا يخلو منه أو مما يعاقبه من الأعراض و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و أبي علي الجبائي و من قبلهما أكثر المتكلمين و خالف فيه عبد السلام بن محمد الجبائي و أجاز خلو الجواهر من الألوان و الطعوم و الأراييح و نحو ذلك من الأعراض‏
87 القول في بقاء الجواهر
أقول إن الجواهر مما يصح عليها البقاء و إنها توجد أوقاتا كثيرة و لا تفنى‏
من العالم إلا بارتفاع البقاء عنها و على هذه الجملة أكثر الموحدين و إليها يذهب أبو القاسم البلخي و يخالف فيما ذكرناه من سبب فنائها و الجبائي و ابنه و بنو نوبخت من الإمامية و من سلك سبيلهم في هذا المقام و إبراهيم النظام يخالف الجميع و يزعم أن الله تعالى يجدد الأجسام و يحدثها حالا فحالا
88 القول في الجواهر هل تحتاج إلى مكان‏
أقول إنه لا حاجة للجواهر إلى الأماكن من حيث كانت جواهر إلا أن تتحرك أو تسكن فلا بد لها في الحركة و السكون من المكان و على غنائها عن المكان كافة الموحدين و في حاجتها إليه عند الحركة و السكون جمهورهم و يخالف في ذلك الجبائي و ابنه عبد السلام‏
89 القول في الأجسام‏
أقول إن الأجسام هي الجواهر المتألفة طولا و عرضا و عمقا و أقل ما تتألف منه الأجسام ثمانية أجزاء اثنان منها أحدهما فوق صاحبه طولا و اثنان يليان هذين الاثنين من جهة اليمين أو الشمال يصير بذلك عرضا و أربعة تلقاء هذه الأربعة فيحصل بذلك عمق و على هذا القول جماعة من المتكلمين.
و قد زعم قوم أن الجسم يتألف من ستة أجزاء و قال آخرون إنه يتألف من أربعة أجزاء و ذهب قوم إلى أن حقيقة الجسم هو المؤلف و قد يكون ذلك من جزءين فالأجسام من نوع ما يبقى و قد ذكرت ذلك في الجواهر المنفردة و
التأليف عندي و سائر الأعراض لا تبقى و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة قبله من البغداديين و لم يخالف في بقاء الأجسام أحد من أهل التوحيد سوى النظام فإنه زعم أنها تتجدد حالا بعد حال‏
90 القول في الأعراض‏
أقول الأعراض هي المعاني المفتقرة في وجودها إلى المحال و لا يجوز على شي‏ء منها البقاء و هذا مذهب أكثر البغداديين و قد خالف فيه البصريون و غيرهم من أهل النحل و الآراء
91 القول في قلب الأعراض و إعادتها
أقول إن ذلك محال لا يصح بدلائل يطول ذكرها و هو مذهب أبي القاسم و جميع من نفى بقاء الأعراض من الموحدين‏
92 القول في المعدوم‏
و أقول إن المعدوم هو المنفي العين الخارج عن صفة الموجود و أقول إنه لا جسم و لا جوهر و لا عرض و لا شي‏ء على الحقيقة و إن سميته بشي‏ء من هذه الأسماء فإنما تسميه به مجازا و هذا مذهب جماعة من بغدادية المعتزلة و أصحاب المخلوق و البلخي يزعم أنه شي‏ء و لا يسميه بجسم و لا جوهر و لا عرض و الجبائي و ابنه يزعمان أن المعدوم شي‏ء و جوهر و عرض و الخياط يزعم أنه شي‏ء و عرض و جسم‏
93 القول في ماهية العالم‏
و أقول العالم هو السماء و الأرض و ما بينهما و ما فيهما من الجواهر و الأعراض و لست أعرف بين أهل التوحيد خلافا في ذلك‏
94 القول في الفلك‏
أقول إن الفلك هو المحيط بالأرض الدائر عليها و فيه الشمس و القمر و سائر النجوم و الأرض في وسطه بمنزلة النقطة في وسط الدائرة و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة كثيرة من أهل التوحيد و مذهب أكثر القدماء و المنجمين و قد خالف فيه جماعة من بصرية المعتزلة و غيرهم من أهل النحل‏
95 القول في حركة الفلك‏
أقول إن المتحرك من الفلك من جهة الإمكان ما اختص منه بالمكان و من جهة الوجوب ما لاقى الهواء و قطع بحركته المكان و أما ما يلي صفحته العليا فإنها لا متحركة و لا ساكنة لأنها في غير مكان و أقول إن المتحرك منه إنما يتحرك حركة دورية كما يتحرك الدائر على الكرة و إلى هذا يذهب البلخي و جماعة من الأوائل و كثير من أهل التوحيد
96 القول في الأرض و هيئتها و هل هي متحركة أو ساكنة
أقول إن الأرض على هيئة الكرة في وسط الفلك و هي ساكنة لا تتحرك‏
و علة سكونها أنها في المركز و هو مذهب أبي القاسم و أكثر القدماء و المنجمين و قد خالف فيه الجبائي و ابنه و جماعة غيرهما من أهل الآراء و المذاهب من المقلدة و المتكلمين‏
97 القول في الخلإ و الملإ
و أقول إن العالم مملو من الجواهر و إنه لا خلأ فيه و لو كان فيه خلأ لما صح فرق بين المجتمع و المتفرق من الجواهر و الأجسام و هو مذهب أبي القاسم خاصة من البغداديين و مذهب أكثر القدماء من المتكلمين و يخالف فيه الجبائي و ابنه و جماعة من متكلمي الحشوية و أهل الجبر و التشبيه‏
98 القول في المكان‏
و أقول إن المكان ما أحاط بالشي‏ء من جميع جهاته و إنه لا يصح تحرك الجواهر إلا في الأماكن و هو مذهب أبي القاسم و غيره من البغداديين و جماعة من قدماء المتكلمين و يخالف فيه الجبائي و ابنه و بنو نوبخت و المنتمون إلى الكلام من أهل الجبر و التشبيه‏
99 القول في الوقت و الزمان‏
و أقول إن الوقت هو ما جعله الموقت وقتا للشي‏ء و ليس بحادث‏
مخصوص و الزمان اسم يقع على حركات الفلك فلذلك لم يكن الفلك محتاجا في وجوده إلى وقت و لا زمان و على هذا القول سائر الموحدين‏
100 القول في الطباع‏
و أقول إن الطباع معان تحل الجواهر يتهيأ بها المحل للانفعال كالبصر و ما فيه من الطبيعة التي بها يتهيأ لحلول الحس فيه و الإدراك و كالسمع و الأنف السليم و اللهوات و كوجوده في النار التي تحرق به و من أجله أمكن بها الإحراق و الأمر في ذلك و ما أشبهه واضح الظهور و البيان.
فصل و أقول إن ما يتولد بالطبع فإنما هو لمسببه بالفعل في المطبوع و أنه لا فعل على الحقيقة لشي‏ء من الطباع و هذا مذهب أبي القاسم الكعبي و هو خلاف مذهب المعتزلة في الطباع و خلاف الفلاسفة الملحدين أيضا فيما ذهبوا إليه من أفعال الطباع و أباه الجبائي و ابنه و أهل الحشو و أصحاب المخلوق و الإجبار
101 القول في تركب الأجسام من الطبائع و استحالتها إلى العناصر و الأسطقسات‏
و قد ذهب كثير من الموحدين إلى أن الأجسام كلها مركبة من الطبائع الأربع و هي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و احتجوا في ذلك بانحلال كل جسم إليها و بما يشاهدونه من استحالتها كاستحالة الماء بخارا و البخار ماء و الموات حيوانا و الحيوان مواتا و بوجود النارية و المائية و الهوائية و الترابية في كل جسم و أنه لا ينفك جسم من الأجسام من ذلك و لا يعقل على خلافه و لا ينحل إلا إليه و هذا ظاهر مكشوف و لست أجد لدفعه حجة أعتمدها و لا أراه مفسدا لشي‏ء من التوحيد و العدل و الوعد و الوعيد أو النبوات أو الشرائع فأطرحه لذلك بل هو مؤيد للدين مؤكد لأدلة الله تعالى على ربوبيته و حكمته و توحيده و ممن دان به من رؤساء المتكلمين النظام و ذهب إليه البلخي و من اتبعه في المقال‏
102 القول في الإرادة و إيجابها
و أقول إن الإرادة التي هي قصد لإيجاد أحد الضدين الخاطرين ببال المريد موجبة لمرادها و إنه محال وجودها و ارتفاع المراد بعدها بلا فصل إلا أن‏
يمنع من ذلك من جهة فعل غير المريد و هذا مذهب جعفر بن حرب و جماعة من متكلمي البغداديين و هو مذهب البلخي و على خلافه الجبائي و ابنه و البصريين من المعتزلة و الحشوية و أهل الإجبار
103 القول في التولد
و أقول إن من أفعال القادر ما يقع متولدا بأسباب يفعلها على الابتداء من غير توليد لها كالضارب لغيره فضربه متولد عن اعتماداته و حركاته و إيلامه للمضروب متولد عن ضربه إياه و كالرامي لغرضه و غيره من الأجسام و كالمعتمد بلسانه في لهواته فيولد بذلك أصواتا و كلاما و ما أشبه ذلك.
فالمبتدأ من الأحوال الأفعال لا يكون متولدا و المسبب عن المبتدأ نحو ما ذكرناه يكون متولدا عن فعل صاحب السبب و هذا مذهب أهل العدل كافة سوى النظام و من وافقه في نفي التولد من أهل القدر و الإجبار
104 القول في الفرق بين الموجب و المتولد
و أقول إن كل متولد فهو موجب و ليس كل موجب فهو متولد و الفرق بينهما أن الموجب الذي ليس بمتولد هو ما ولي الإرادة بلا فصل بينهما من فعل المريد و الموجب المتولد هو ما ولي الذي يلي الإرادة من الأفعال و هذا مذهب‏
اختصرته أنا لقولي في المحدث الفعل الذي تسميه الفلاسفة النفس و الأصل فيه مذهب البلخي و من ذهب إلى الجمع بين إيجاب الإرادة و التولد من متكلمي بغداد
105 القول في أنواع المولدات و المتولدات من الأفعال‏
و أقول إن الاعتمادات و الحركات و المماسات و المتباينات و النظر و الاعتقادات و العلوم و اللذات و الآلام جميع ذلك يولد أمثاله و خلافه و ليس واحد مما ذكرناه بالتوليد أخص من غيره مما سميناه.
و أقول إن الفاعل قد يولد في غيره علما بأشياء إذا فعل به أسباب تلك العلوم كالذي يصيح بالساهي فيفعل به علما بالصيحة متولدا عن الصيحة به بدلالة أنه لا يصح امتناعه من العلم بذلك مع سماع ما بدهه من الصياح و كالضارب لغيره المولد بضربة ألما فيه فإنه يولد فيه علما بالألم و الضرب لاستحالة فقد علمه بالألم في حالة و قد يولد الإنسان في غيره غما و سرورا و حزنا و خوفا بما يورده عليه مما لا يمتنع معه من الغم و المسرة و الجزع و الخوف و لا يصح امتناعه منه على كل حال و أشباه ذلك مما يطول بذكره الكلام و هذا مذهب كثير من بغدادية المعتزلة و إليه ذهب أبو القاسم البلخي و خالف في كثير منه الجبائي و ابنه و أنكر جملته النظام و المجبرة
106 القول في أن الأمر بالسبب هل هو أمر بالمسبب أم لا
و أقول إن الأمر بالسبب أمر بالمسبب ما لم يمنع الأمر من المسبب أو يعلم أن صاحب السبب سيمنع من المسبب فأما الأمر بالمسبب فهو مقتض للأمر بالسبب لا محالة بل هو أمر به في المعنى و إن لم يكن كذلك في اللفظ و لست أعرف بين من أثبت التولد في هذا الباب خلافا
107 القول في أفعال الله تعالى و هل فيها متولدات أم لا
و أقول إن في كثير من أفعال الله تعالى مسببات و امتنع من إطلاق لفظ الوصف عليها بأنها متولدات و إن كانت في المعنى كذلك لأنني أتبع فيما أطلقه في صفات الله تعالى و صفات أفعاله الشرع و لا أبتدع و قد أطلق المسلمون على كثير من أفعال الله تعالى أنها أسباب و مسببات و لم أجدهم يطلقون عليها لفظ المتولد و من أطلقه منهم فلم يتبع فيه حجة في القول و لا لجأ فيه إلى كتاب و لا سنة و لا إجماع و هذا مذهب اختص به لما ذكرت من الاستدلال و لدلائل أخر ليس هنا موضع ذكرها.
فأما قولي في الأسباب فهو مذهب جماعة من البغداديين و مذهب أبي القاسم على قرب و أبي علي و إنما خالف فيه أبو هاشم بن أبي علي خاصة
من بين أهل العدل و قد قال الله عز و جل مما يشهد بصحته وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى‏ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ و قال أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا و آي في القرآن تدل على هذا المعنى كثيرة
108 القول في الشهوة
و أقول إن الشهوة عبارة عن معنيين أحدهما الطبع المختص بالحيوان الداعي له إلى ما يلائمه من جهة اللذات و المعنى الآخر ميل الطبع إلى الأعيان على التفصيل من جملة اللذات فأما الأول فهو من فعل الله سبحانه و تعالى لا محالة و لا شك فيه و لا ارتياب لأن الحيوان لا يملكه و لا له فيه اختيار و أما الثاني فهو من فعل الحيوان بدلائل يطول بشرحها الكلام و هذا مذهب جمهور البغداديين و البصريين باتحاد الموجود أو الممنوع من وجوده و ذلك محال و كذلك النهي إذ هو نقيض الأمر و هذا مذهب كافة أهل العدل إلا من لا يعبأ به منهم و المجبرة على خلافهم فيه‏
109 القول في البدل‏
و أقول إن الكفر قد كان يجوز أن يكون في وقت الإيمان بدلا منه و
الإيمان قد كان يجوز أن يكون بدلا من الكفر في وقته و لا أقول في حال الإيمان إن الكفر يجوز كونه فيه بدلا منه و لا الإيمان يجوز وجوده في حال الكفر بدلا منه و ذلك أن جواز الشي‏ء هو تصحيحه و صحة إمكانه و ارتفاع استحالته و الكفر مضاد للإيمان و وجود الضد محيل لجواز وجود ضده كما يحيل وجوده فإذا قال القائل إن الكافر يجوز منه الإيمان الذي هو بدل من الكفر تضمن ذلك جواز اجتماع الضدين و إذا قال قد كان يجوز بتقدم لفظ كان على يجوز لم يتضمن ذلك محالا.
فأما القول بأنه يجوز من الكافر الإيمان في مستقبل أوقات الكفر و يجوز من المؤمن الكفر كذلك و ليس بمنكر لارتفاع التضاد و الإحالة و ليس هذا القول هو الخلاف بيننا و بين المجبرة و إنما خلافهم لنا في الأول و عليه أهل العدل كما أن أهل الإجبار بأسرهم على خلافهم فيه‏
110 القول في خلق ما لا عبرة به و لا صلاح فيه‏
و أقول إن خلق ما لا عبرة به لأحد من المكلفين و لا صلاح فيه لأحد من المخلوقين عبث لا يجوز على الله تعالى و هذا مذهب أهل العدل و قد ذهب إلى خلافه جميع أهل الجبر و اشتبه على كثير من الناس فيه خلق ما في قعور البحار و قلل الجبال و بواطن الحيوان مما لا يحسه أحد من البشر فذهب عليهم وجه الانتفاع به و انسد عليهم طريق الاعتبار بمشاهدته فخالفوا أهل الحق فيما
ذكرناه و ليس الأمر في هذا الباب على ما توهموه و ذلك أن البشر و إن لم يحسوا كثيرا مما وصفوه فإن الجن و الملائكة يحسونه فيعتبرون به و ما لا يقع عليه من جميع ذلك حس ذي حاسة فهو نفع لبعض ما يعتبر به من الحيوان أو مستحيل من طبائع ما لا بد من وجوده في ألطاف العباد و ليس علينا في صحة هذه القضية أكثر من إقامة الدلالة على أن الله تعالى الغني الكريم الحكيم لا يخلق شيئا لنفسه و إنما خلق ما يخترعه لغيره و لو خلا ما خلقه من منفعة غيره مع قيام البرهان على أن صانعه جلت عظمته لا ينتفع به لكان عبثا لا معنى له و الله يجل عن فعل العبث علوا كبيرا
111 القول في الألم و اللذة إذا استويا في اللطف و الصلاح‏
و أقول إنه لو استوى فعل الألم بالحيوان و اللذة له في ألطاف المكلفين و مصالحهم الدينية لما جاز من الحكيم سبحانه أن يفعل الألم دون اللذة إذ لا داعي كان يكون إلى فعله حينئذ إلا العوض عليه و القديم سبحانه قادر على مثل العوض تفضلا و كان الأولى في جوده و رأفته أن يفعل اللذة لشرفها على الألم و لا يفعل الألم و قد ساوى ما هو أشرف منه في المصلحة و هذا مذهب‏
كثير من أهل العدل و قد خالف منهم فيه فريق و المجبرة بأسرهم على خلافه‏
112 القول في علم الله تعالى أن العبد يؤمن إن أبقاه بعد كفره أو يتوب إن أبقاه عن فسقه أ يجوز أن يخترمه دون ذلك أم لا
و أقول إن ذلك غير جائز فيمن لم ينقض توبته و يرجع في كفر بعد تركه و جائز بعد الإمهال فيمن أنظر فعاد إلى العصيان لأنه لو وجب ذلك دائما أبدا لخرج عن الحكمة إلى العبث و لم يكن للتكليف أجر و هذا مذهب أبي القاسم الكعبي و جماعة كثيرة من أصحاب الأصلح و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و مانعو اللطف منهم و سائر المجبرة
113 القول في الألم للمصلحة دون العوض‏
و أقول إن العوض على الألم لمن يستصلح به غيره مستحق على الله تعالى في العدل و إن كان واجبا في وجوده لمن يجوز أن يفعله به من المؤمنين.
فأما ما يستصلح به غير المؤمنين من الآلام فلا بد من التعويض له عليه و إلا كان ظلما و لهذا قلت إن إيلام الكافر لا يستحق عليه عوضا لأنه لا يقع إلا عقابا له و استصلاحا له في نفسه و إن جاز أن يصلح به غيره و هذا مذهب من نفى الإحباط من أهل العدل و الإرجاء و على خلافه البغداديون من المعتزلة و البصريون و سائر المجبرة و قد جمعت فيه بين أصول يختص بي جمعها دون‏
من وافقني في العدل و الإرجاء بما كشف لي النظر عن صحته و لم يوحشني من خالف فيه إذ بالحجة لي أتم أنس و لا وحشة من حق و الحمد لله‏
114 القول في تعويض البهائم و اقتصاص بعضها من بعض‏
و أقول إنه واجب في جود الله تعالى و كرمه تعويض البهائم على ما أصابها من الآلام في دار الدنيا سواء كان ذلك الألم من فعله جل اسمه أم من فعل غيره لأنه إنما خلقها لمنفعتها فلو حرمها العوض على ألمها لكان قد خلقها لمضرتها و الله يجل عن خلق شي‏ء لمضرته و إيلامه لغير نفع يوصله إليه لأن ذلك لا يقع إلا من سفيه ظالم و الله سبحانه عدل كريم حكيم عالم.
فأما الاقتصاص منها فغير جائز لأنها غير مكلفة و لا مأمورة و لا عالمة بقبح القبيح و القصاص ضرب من العقوبة و ليس بحكيم من عاقب غير مكلف و لا منته عن فعل القبيح و لو جاز الاقتصاص من بعضها لبعض لجاز عقابها على جناياتها على بعض و لوجب ثوابها على إحسانها إلى ما أحسنت إليه من بعض و ذلك كله محال و هذا مذهب كثير من أهل العدل و قد خالف فيه بعضهم و جماعة ممن سواهم‏
115 القول في نعيم أهل الجنة أ هو تفضل أو ثواب‏
و أقول إن نعيم أهل الجنة على ضربين فضرب منه تفضل محض لا يتضمن شيئا من الثواب و الضرب الآخر تفضل من جهة و ثواب من أخرى و ليس في نعيم أهل الجنة ثواب و ليس بتفضل على شي‏ء من الوجوه فأما التفضل منه المحض فهو ما يتنعم به الأطفال و البله و البهائم إذ ليس لهؤلاء أعمال كلفوها فوجب من الحكمة إثابتهم عليها و أما الضرب الآخر فهو تنعيم المكلفين و إنما كان تفضلا عليهم لأنهم لو منعوها ما كانوا مظلومين إذ ما سلف لله تعالى عندهم من نعمه و فضله و إحسانه يوجب عليهم أداء شكره و طاعته و ترك معصيته فلو لم يثبهم بعد العمل و لا ينعمهم لما كان لهم ظالما فلذلك كان ثوابه لهم تفضلا و أما كونه ثوابا فلان أعمالهم أوجبت في وجود الله تعالى و كرمه تنعمهم و أعقبتهم الثواب و أثمرته لهم فصار ثوابا من هذه الجهة و إن كان تفضلا من جهة ما ذكرناه و هذا مذهب كثير من أهل العدل من المعتزلة و الشيعة و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و الجهمية و من اتبعهم من المجبرة
116 القول في ثواب الدنيا و عقابها و تعجيل المجازاة فيها
و أقول إن الله تعالى جل اسمه يثيب بعض خلقه على طاعتهم في الدنيا ببعض مستحقهم من الثواب و لا يصح أن يوفيهم أجورهم فيها لما يجب من إدامة جزاء المطيعين و قد يعاقب بعض خلقه في الدنيا على معاصيهم فيها ببعض مستحقهم على خلافهم له و بجميعه أيضا لأنه ليس كل معصية له يستحق عليها عذابا دائما كما ذكرنا في الطاعات و قد قال الله تعالى وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ و قال فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَ يُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً فوعدهم بضروب من الخيرات في الدنيا على الأعمال الصالحات و قال في بعض من عصاه وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى‏ و قال في آخرين منهم لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى‏ لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَ ما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ‏
وجاء الخبر مستفيضا عن النبي ص أنه قال حمى يوم كفارة ذنوب سنة
و قال صلة الرحم منسئة في الأجل‏
و هذا مذهب جماعة من أهل العدل و تفصيله على ما ذكرت في تعجيل بعض الثواب و كل العقاب و بعضه مذهب جمهور الشيعة و كثير من المرجئة
117 القول في الاختيار للشي‏ء و هل هو إرادة له‏
و أقول إن الإرادة للشي‏ء هو اختياره و اختياره هو إرادته و إيثاره و قد
يعبر بهذه اللفظة عن المعنى الذي يكون قصدا لأحد الضدين و يعبر بها أيضا عن وقوع الفعل على علم به و غير حمل عليه و يعبر بلفظ مختار عن القادر خاصة و يراد بذلك أنه متمكن من الفعل و ضده دون أن يراد به القصد و العزم و هذا مذهب جماعة من المعتزلة البغداديين و كثير من الشيعة و يخالف فيه البصريون من المعتزلة و أهل الجبر كافة
118 القول في الإرادة التي هي تقرب‏
و أقول إن الإرادة التي هي تقرب كغيرها من الإرادات المتقدمة للأفعال و ليس يصح مجامعتها للفعل لأنه لا يخرج إلى الوجود إلا و هو تقرب و محال تعلق الإرادة بالموجود أو الإرادة له بأن يكون تقربا و قد حصل كذلك و أما كونها هي تقربا فلأن مرادها كذلك و حكم الإرادة في الحسن و القبح و القرب و البعد حكم المراد و هذا مذهب أكثر أهل العدل و البصريين من المعتزلة يخالفونه و كذلك أهل الإجبار
119 القول في الإرادة هل هي مرادة بنفسها أم بإرادة غيرها أم ليس يحتاج إلى إرادة
و أقول إن الإرادة لا تحتاج إلى إرادة لأنها لو احتاجت إلى ذلك لما خرجت إلى الوجود إلا بخروج ما لا أول له من الإرادات و هذا محال بين الفساد و ليس يصح أن تراد بنفسها لأن من شأن الإرادة أن يتقدم مرادها فلو وجب أو جاز
أن تراد الإرادة بنفسها لوجب أو جاز وجود نفسها قبل نفسها و هذا عين المحال.
و قد أطلق بعض أهل النظر من أصحابنا أن الإرادة مرادة بنفسها و عنى به أفعال الله تعالى الواقعة من جهته و اختراعه و إيجاده لأنها هي نفس إرادته و إن لم يكن واقعة منه بإرادة غيرها و لن يصح ذلك فيها و هذا مجاز و استعارة و القول في التحقيق ما ذكرناه و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و كثير من البغداديين قبله و جماعة من الشيعة و يخالف فيه آخرون منهم و من البصريين و المجبرة كافة
120 القول في الشهادة
و أقول إن الشهادة منزلة يستحقها من صبر على نصرة دين الله تعالى صبرا قاده إلى سفك دمه و خروج نفسه دون الوهن منه في طاعته تعالى و هي التي يكون صاحبها يوم القيامة من شهداء الله و أمنائه و ممن ارتفع قدره عند الله و عظم محله حتى صار صديقا عند الله مقبول القول لاحقا بشهادته الحجج من شهداء الله حاضرا مقام الشاهدين على أممهم من أنبياء الله ص قال الله عز و جل وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ و قال أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ فالرغبة إلى الله تعالى في الشهادة إنما هي رغبة إليه في التوفيق للصبر المؤدي إلى ما ذكرناه و
ليست رغبة في فعل الكافرين من القتل بالمؤمنين لأن ذلك فسق و ضلال و الله تعالى يجل عن ترغيب عباده في أفعال الكافرين من القتل و أعمال الظالمين.
و إنما يطلق لفظ الرغبة في الشهادة على المتعارف من إطلاق لفظ الرغبة في الثواب و هو فعل الله تعالى فيمن وجب له بأعماله الصالحات و قد يرغب أيضا الإنسان إلى الله تعالى في التوفيق لفعل بعض مقدوراته فتعلق الرغبة بذكر نفس فعله دون التوفيق كما يقول الحاج اللهم ارزقني العود إلى بيتك الحرام و العود فعله و إنما يسأل التوفيق لذلك و المعونة عليه و يقول اللهم ارزقني الجهاد و ارزقني صوم شهر رمضان و إنما مراده من ذلك المعونة على الجهاد و الصيام و هذا مذهب أهل العدل كافة و إنما خالف فيه أهل القدر و الإجبار
121 القول في النصر و الخذلان‏
و أقول إن النصر من الله تعالى يكون على ضربين أحدهما إقامة الحجة و إيضاح البرهان على قول المحق فذلك أوكد الألطاف في الدعاء إلى اتباع المحق و هو النصر الحقيقي قال الله تعالى إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَ الَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ
الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ و قال جل اسمه كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ فالغلبة هاهنا بالحجة خاصة و ما يكون من الانتصار في العاقبة لوجود كثير من رسله قد قهرهم الظالمون و سفك دماءهم المبطلون و الضرب الثاني تثبيت نفوس المؤمنين في الحروب و عند لقاء الخصوم و إنزال السكينة عليهم و توهين أمر أعدائهم و إلقاء الرعب في قلوبهم و إلزام الخوف و الجزع أنفسهم و منه الإمداد بالملائكة و غيرهم من الناصرين بما يبعثهم إليه من ألطافه و أسباب توفيقاته على ما اقتضته العقول و دل عليه الكتاب المسطور.
و الخذلان أيضا على ضربين كل واحد منهما نقيض ضده من النصر و على خلافه في الحكمة و هذا مذهب أهل العدل كافة من الشيعة و المعتزلة و المرجئة و الخوارج و الزيدية و المجبرة بأجمعهم على خلافه لأنهم يزعمون أن النصر هو قوة المنصور و الخذلان هو استطاعة العاصي المخذول و إن كان لهم بعد ذلك فيها تفصيل‏
122 القول في الطبع و الختم‏
و أقول إن الطبع من الله تعالى على القلوب و الختم بمعنى واحد و هو الشهادة عليها بأنها لا تعي الذكر مختارة و لا تعتمد على الهدى مؤثرة لذلك غير مضطرة و ذلك معروف في اللسان أ لا ترى إلى قولهم ختمت على فلان‏
بأنه لا يفلح يريدون بذلك قطعت بذلك شهادة عليه و أخبرت به عنه و أن الطبع على الشي‏ء إنما هو علامة للطابع عليه و إذا كانت الشهادة من الله تعالى على شي‏ء علامة لعباده جاز أن يسمى طبعا و ختما و هذا مستمر على أصول أهل العدل و مذاهب المجبرة بخلافه‏
123 القول في الولاية و العداوة
و أقول إن ولاية العبد لله بخلاف ولاية الله سبحانه له و عداوته له بخلاف عداوته إياه فأما ولاية العبد لله عز و جل فهي الانطواء على طاعته و الاعتقاد بوجوب شكره و ترك معصيته و ذلك عندي لا يصح إلا بعد المعرفة به و أما ولاية الله تعالى لعبده فهو إيجابه لثوابه و رضاه لفعله و أما عداوة العبد لله سبحانه فهي كفره به و جحده لنعمه و إحسانه و ارتكاب معاصيه على العباد لأمره و الاستخفاف لنهيه و ليس يكون منه شي‏ء من ذلك إلا مع الجهل به و أما عداوة الله تعالى للعبد فهي إيجاب دوام العقاب له و إسقاط استحقاق الثواب على شي‏ء من أفعاله و الحكم بلعنته و البراءة منه و من أفعاله.
و أقول مع هذا إن الولاية من الله تعالى للمؤمن قد تكون في حال إيمانه و العداوة منه للكافر تكون أيضا في حال كفره و ضلاله و هذا مذهب يستقيم على أصول أهل العدل و الإرجاء و قد ذهب إلى بعضه المعتزلة خاصة و للمجبرة في بعضه وفاق و مجموعة لمن جمع بين القولين بالعدل و مذهب أصحاب الموافاة من الراجئة فأما القول بأن الله سبحانه قد يعادي من تصح موالاته له من بعد و لا يوالي من يصح أن يعاديه فقد سلف قولنا فيه في باب الموافاة
124 القول في التقية
و أقول إن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس و قد تجوز في حال دون حال للخوف على المال و لضروب من الاستصلاح و أقول إنها قد تجب أحيانا و تكون فرضا و تجوز أحيانا من غير وجوب و تكون في وقت أفضل من تركها و يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذورا و معفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها.
فصل و أقول إنها جائزة في الأقوال كلها عند الضرورة و ربما وجبت فيها لضرب من اللطف و الاستصلاح و ليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمنين و لا فيما يعلم أو يغلب أنه استفساد في الدين و هذا مذهب يخرج عن أصول‏
أهل العدل و أهل الإمامة خاصة دون المعتزلة و الزيدية و الخوارج و العامة المتسمية بأصحاب الحديث‏
125 القول في الاسم و المسمى‏
و أقول إن الاسم غير المسمى كما تقدم من القول في الصفة و أنها في الحقيقة غير الموصوف و هذا مذهب يشترك فيه الشيعة و المعتزلة جميعا و يخالفهم في معناه العامة و المجبرة من أهل التشبيه‏
126 القول في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر
و أقول إن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باللسان فرض على الكفاية بشرط الحاجة إليه لقيام الحجة على من لا علم لديه إلا بذكره أو حصول العلم بالمصلحة به أو غلبة الظن بذلك فأما بسط اليد فيه فهو متعلق بالسلطان و إيجابه على من يندبه له و إذنه فيه و لن يجوز تغيير هذا الشرط المذكور و هذا مذهب متفرع على القول بالعدل و الإمامة دون ما عداهما
127 القول فيمن قضى فرضا بمال حرام هل يسقط بذلك عنه أم لا
و أقول إن فرائض الله تعالى غير مجزية لمن ارتكب نهيه في حدودها لأنها إنما تكون مؤداة بامتثال أمره فيها على الوجه الذي يستحق الثواب‏
عليها فإذا خالف المكلف فيها الحد و تعدى الرسم و أوقع الفعل على الوجه الذي نهي عنه كان عاصيا آثما و للعقاب و اللوم مستحقا و محال أن يكون فرائض الله سبحانه معاصي له و القرب إليه خلافا عليه و ما يستحق به الثواب هو الذي يجب به العقاب.
فثبت أن فرائض الله جل اسمه لا تؤدى إلا بالطاعات في حدودها و ترك الخلاف عليه في شروطها فأما ما كان مفعولا على وجه الطاعة سليما في شروطه و حدوده و أركانه من خلاف الله تعالى فإنه يكون مجزيا و إن تعلق بالوجود بأفعال قبيحة لا تؤثر فيما ذكرناه من الحدود للفرض و الأركان و هذا أصل يتميز بمعرفته ما يجزي من الأعمال مما لا يجزي منها من المشتبهات و هو مذهب جمهور الإمامية و كثير من المعتزلة و جماعة من أصحاب الحديث‏
128 القول في معاونة الظالمين و الأعمال من قبلهم و المتابعة لهم و الاكتساب منهم و الانتفاع بأموالهم‏
و أقول إن معاونة الظالمين على الحق و تناول الواجب لهم جائز و من أحوال واجب و أما معونتهم على الظلم و العدوان فمحظور لا يجوز مع الاختيار.
و أما التصرف معهم في الأعمال فإنه لا يجوز إلا لمن أذن له إمام الزمان و على ما يشترطه عليه في الفعال و ذلك خاص لأهل الإمامة دون من سواهم لأسباب يطول بشرحها الكتاب و أما المتابعة لهم فلا بأس بها فيما لا يكون ظاهره تضرر أهل الإيمان و استعماله على الأغلب في العصيان و أما الاكتساب‏
منهم فجائز على ما وصفناه و الانتفاع بأموالهم و إن كانت مشوبة حلال لمن سميناه من المؤمنين خاصة دون من عداهم من سائر الأنام فأما ما في أيديهم من أموال أهل المعرفة على الخصوص إذا كانت معينة محصورة فإنه لا يحل لأحد تناول شي‏ء منها على الاختيار فإن اضطر إلى ذلك كما يضطر إلى الميتة و الدم جاز تناوله لإزالة الاضطرار دون الاستكثار منه على ما بيناه و هذا مذهب مختص بأهل الإمامة خاصة و لست أعرف لهم فيه موافقا لأهل الخلاف‏
129 القول في الإجماع‏
و أقول إن إجماع الأمة حجة لتضمنه قول الحجة و كذلك إجماع الشيعة حجة لمثل ذلك دون الإجماع و الأصل في هذا الباب ثبوت الحق من جهته بقول الإمام القائم مقام النبي ص فلو قال وحده قولا لم يوافقه عليه أحد من الأنام لكان كافيا في الحجة و البرهان و إنما جعلنا الإجماع حجة به و ذكرناه لاستحالة حصوله إلا و هو فيه إذ هو أعظم الأمة قدرا و هو المقدم على سائرها في الخيرات و محاسن الأقوال و الأعمال و هذا مذهب أهل الإمامة خاصة و يخالفهم فيه المعتزلة و المرجئة و الخوارج و أصحاب الحديث من القدرية و أهل الإجبار
130 القول في أخبار الآحاد
و أقول إنه لا يجب العلم و لا العمل بشي‏ء من أخبار الآحاد و لا يجوز لأحد أن يقطع بخبر الواحد في الدين إلا أن يقترن به ما يدل على صدق راويه على البيان و هذا مذهب جمهور الشيعة و كثير من المعتزلة و المحكمة و طائفة من المرجئة و هو خلاف لما عليه متفقهة العامة و أصحاب الرأي‏
131 القول في الحكاية و المحكي‏
و أقول إن حكاية القرآن قد يطلق عليها اسم القرآن و إن كانت في المعنى غير المحكي على البيان و كذلك حكاية كل كلام يسمى به على الإطلاق فيقال لمن حكى شعر النابغة فلان أنشد شعر النابغة و سمعنا من فلان شعر زهير كما يقال لمن امتثل أمر رسول الله ص في الدين و عمل به فلان يدين بدين رسول الله ص فيطلقون هذا القول إطلاقا من دون تقييد و إن كان المعنى فيه مثل ما ذكرناه من الحكاية على التحقيق و هذا مذهب جمهور المعتزلة و يخالف فيه أهل القدر من المجبرة
132 القول في ناسخ القرآن و منسوخه‏
و أقول إن في القرآن ناسخا و منسوخا كما أن فيه محكما و متشابها بحسب ما علمه الله من مصالح العباد قال الله عز اسمه ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها و النسخ عندي في القرآن إنما هو نسخ متضمنة من الأحكام و ليس هو رفع أعيان المنزل منه كما ذهب إليه كثير من‏
أهل الخلاف و من المنسوخ في القرآن قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ و كانت العدة بالوفاة بحكم هذه الآية حولا ثم نسخها قوله تعالى وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً و استقر هذا الحكم باستقرار شريعة الإسلام و كان الحكم الأول منسوخا و الآية به ثابتة غير منسوخة و هي قائمة في التلاوة كناسخها بلا اختلاف و هذا مذهب الشيعة و جماعة من أصحاب الحديث و أكثر المحكمة و الزيدية و يخالف فيه المعتزلة و جماعة من المجبرة و يزعمون أن النسخ قد وقع في أعيان الآي كما وقع في الأحكام و قد خالف الجماعة شذاذ انتموا إلى الاعتزال و أنكروا نسخ ما في القرآن على كل حال و حكي عن قوم منهم أنهم نفوا النسخ في شريعة الإسلام على العموم و أنكروا أن يكون الله نسخ منها شيئا على جميع الوجوه و الأسباب‏
133 القول في نسخ القرآن بالسنة
و أقول إن القرآن ينسخ بعضه بعضا و لا ينسخ شيئا منه السنة بل تنسخ السنة به كما تنسخ السنة بمثلها من السنة قال الله عز و جل ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها و ليس يصح أن يماثل كتاب الله تعالى غيره و لا يكون في كلام أحد من خلقه خير منه و لا معنى لقول أهل الخلاف‏
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها في المصلحة لأن الشي‏ء لا يكون خيرا من صاحبه بكونه أصلح منه لغيره و لا يطلق ذلك في الشرع و لا تحقيق اللغة و لو كان ذلك كذلك لكان العقاب خيرا من الثواب و إبليس خيرا من الملائكة و الأنبياء و هذا فاسد محال.
و القول بأن السنة لا تنسخ القرآن مذهب أكثر الشيعة و جماعة من المتفقهة و أصحاب الحديث و يخالفه كثير من المتفقهة و المتكلمين‏
134 القول في خلق الجنة و النار
و أقول إن الجنة و النار في هذا الوقت مخلوقتان و بذلك جاءت الأخبار و عليه إجماع أهل الشرع و الآثار و قد خالف في هذا القول المعتزلة و الخوارج و طائفة من الزيدية فزعم أكثر من سميناه أن ما ذكرناه من خلقهما من قسم الجائز دون الواجب و وقفوا في الوارد به من الآثار و قال من بقي منهم بإحالة خلقهما.
و اختلفوا في الاعتلال فقال أبو هاشم بن الجبائي إن ذلك محال لأنه لا بد من فناء العالم قبل نشره و فناء بعض الأجسام فناء لسائرها و قد انعقد الإجماع على أن الله تعالى لا يفني الجنة و النار و قال الآخرون و هم المتقدمون لأبي هاشم خلقهما في هذا الوقت عبث لا معنى له و الله تعالى لا يعبث في فعله و لا يقع منه الفساد
135 القول في كلام الجوارح و نطقها و شهادتها
و أقول إن ما تضمنه القرآن من ذكر ذلك إنما هو على الاستعارة دون الحقيقة كما قال الله تعالى ثُمَّ اسْتَوى‏ إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ و لم يكن منهما نطق على التحقيق و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة من أهل العدل و يخالف فيه كثير من المعتزلة و سائر المشبهة و المجبرة
136 القول في تعذيب الميت ببكاء الحي عليه‏
و أقول إن هذا جور لا يجوز في عدل الله تعالى و حكمته و إنما الخبر فيه‏
أن النبي ص مر بيهودي قد مات و أهله يبكون عليه فقال إنهم يبكون عليه و إنه ليعذب‏
و لم يقل إنه معذب من أجل بكائهم عليه و هذا مذهب أهل العدل كافة و يخالف فيه أهل القدر و الإجبار
137 القول في كلام عيسى ع في المهد
و أقول إن كلام عيسى ع كان على كمال عقل و ثبوت تكليف و بعد أداء واجب كان منه و نبوة حصلت له و ظاهر الذكر دليل على ذلك في قوله تعالى قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا و هذا مذهب أهل الإمامة بأسرها و جماعة من أهل الشيعة غيرها و قد ذهب إليه نفر من المعتزلة و كثير من أصحاب الحديث و خالف فيه الخوارج و بعض الزيدية و فرق من المعتزلة
138 القول في كلام المجنون و الطفل و هل يكون فيه كذب أو صدق أم لا
و أقول إنه قد يكون ذلك فيما يتخصص في اللفظ باسم معين إذ هو معنى مخصوص كقول القائل رب العالمين واحد و خالق الخلق بأسرهم اثنان أو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صادق أو موسى بن عمران المبعوث على بني إسرائيل كاذب و ما أشبه ذلك فأما المبهم من الأخبار في الألفاظ و المعاني فإنه لا يحكم عليه بالصدق و الكذب حتى يعلم القصد من قائله و النية فيه و هذا مذهب جماعة من أهل العدل منهم أبو القاسم البلخي و يذهب إليه قوم من الشيعة العدلية و طائفة من المرجئة و قد خالف فيه بعض المعتزلة و جماعة من الخوارج و أصحاب الحديث‏
139 القول في ماهية الكلام‏
و أقول إن الكلام هو تقطيع الأصوات و نظامها على وجه يفيد المعاني المعقولات و الأصوات عندي ضرب من الأعراض و ليس يصح على الكلام البقاء من حيث يستحيل ذلك على الأعراض كلها و لأنه لو بقي الكلام لم يكن ما تقدم من حروف الكلمة أولى بالتأخر و لا المتأخر أولى بالتقدم و كان ذلك يؤدي إلى إفساد الكلام و ارتفاع التفاهم به على كل حال و هذا مذهب جماعة من المعتزلة و خالف فيه بعضهم و سائر المشبهة
140 القول في التوبة من المتولد قبل وجوده أو بعده‏
و أقول إنه لا يصلح التوبة من شي‏ء من الأفعال قبل وجودها سواء كانت مباشرة أو متولدة و إن من فعل سببا أوجب به مسببا ثم ندم على فعل السبب قبل وجود المسبب فقد سقط عنه عقابه و عقاب المسبب و إن لم يكن نادما في الحقيقة على المسبب ليس لأنه مصر عليه أو متهاون به لكن لأنه لا يصح له الندم مما لم يخرج إلى الوجود و التوبة مما لم يفعله بعد غير أنه متى خرج إلى الوجود و لم يمنعه مانع من ذلك فإن التوبة منه واجبة إذا كان فاعله متمكنا و هذا مذهب جمهور أصحاب التولد و قد خالفهم فيه نفر من أهله و زعموا أن التوبة من السبب توبة من المسبب و قال بعضهم إنه بفعله السبب يكون كالفاعل للمسبب و لذلك يجب عليه التوبة منه و القولان جميعا باطلان لأن التوبة من الشي‏ء لا يكون توبة من غيره و قد ثبت أن السبب غير المسبب و لأن السبب قد يوجد و لا يخرج المسبب إلى الوجود بمانع يمنعه‏
141 القول في الزيادات في اللطيف القول في الأجسام هل تدرك ذواتها أو أعراضها أو هما معا
و أقول إن الإدراك واقع بذوات الأجسام و أعيان الألوان و الأكوان و
ذلك لما يحصل للنفس من العلم بوجود الذاهب في الجهات حسا و ليس يصح على الأعراض الذهاب في الجهات كما أنه قد يدرك الشي‏ء على ما وصفناه فقد يدرك فيه ما يقبض البصر و يبسطه و يدرك ما يكون في مكانه و يخرج به عنه و لا فرق بين من زعم أن الإدراك إنما هو للألوان و الأكوان دون الجواهر و الأجسام و بين من قلب القضية و زعم أن الإدراك إنما هو للأجسام دون ذلك بل قول هذا الفريق أقرب لأن كثيرا من العقلاء قد شكوا في وجود الأعراض و لم يشك أحد منهم في وجود الأجسام و إن ادعى بعضهم أنها مؤلفة من أعراض و هذا مذهب جمهور أهل النظر و قد خالف فيه فريق منهم‏
142 القول في الأجسام هل يصح أن يتحرك جميعها بحركة بعضها
و أقول إنه لا يصح ذلك كما لا يصح أن يسود جميعها بسواد بعضها و لا يبيض و لا يجتمع و لا يتفرق و لأن المتحرك هو ما قطع المكانين و محال أن يكون اللابث قاطعا و هذا مذهب جماعة كثيرة من أهل النظر و قد خالف فيه كثير أيضا منهم و هو مذهب أبي القاسم البلخي و غيره من المتقدمين‏
143 القول في الثقيل هل يصح وقوفه في الهواء الرقيق بغير علاقة و لا عماد
و أقول إن ذلك محال لا يصح و لا يثبت و القول به مؤد إلى اجتماع المضادات و هذا مذهب أبي القاسم البلخي و جماعة من المعتزلة و أكثر الأوائل و خالفهم فيه البصريون من المعتزلة و قد حكي أنه لم يخالف فيه أحد من المعتزلة إلا الجبائي و ابنه و أتباعهما
144 القول في الجزء الواحد هل يصح أن توجد فيه حركتان في وقت واحد
و أقول إن ذلك محال لا يصح من قبل أن وجود الحركة الواحدة يوجب خروج الجسم من مكانه إلى ما يليه فلو وجدت فيه الحركتان لم يخل القول في ذلك من أحد وجهين إما أن يقطع بهما مكانين في حالة واحدة و ذلك محال أو أن يقطع بإحداهما و لا يكون للأخرى تأثير و ذلك أيضا فاسد محال و لا معنى لقول من قال إن تأثيرها سرعة قطعه للمكان لأن السرعة إنما تكون في توالي قطع الأماكن دون القطع الواحد للمكان الواحد و هذا مذهب أبي القاسم و جماعة كثيرة من أهل النظر و قد خالف فيه فريق من المعتزلة و جماعة من أصحاب الجهالات‏
145 القول في الجسم هل يصح أن يتحرك بغير دافع‏
و أقول إنه لو صح ذلك بأن توجد فيه الحركة اختراعا كما يزعم المخالف لصح وقوف جبل أبي قبيس في الهواء بأن يخترع فيه السكون من غير دعامة و لا علاقة و لو صح ذلك لصح أن يعتمد الحجر الصلب الثقيل على الزجاج الرقيق و هما بحالهما فلا ينكسر الزجاج و تخلل النار أجزاء القطن و هما على حالهما فلا تحرقه و هذا كله تجاهل يؤدي إلى كل محال فاسد و إلى هذا القول كان يذهب أبو القاسم و جماعة الأوائل و كثير من المعتزلة و إنما خالف فيه أبو علي الجبائي و أبو هاشم ابنه و من تبعهما
146 القول في الحركات هل يكون بعضها أخف من بعض‏
و أقول إن ذلك محال لما قدمت من القول في استحالة وجود الحركتين في جزء واحد في حال واحد و إنما يصح القول في المتحرك بأنه أخف من متحرك غيره و أسرع و لا يستحيل ذلك في الأجسام و هذا أيضا مذهب أبي القاسم و أكثر أهل النظر و قد خالف فيه فريق من الدهرية و غيرهم‏
147 القول في ترك الإنسان ما لم يخطر بباله‏
و أقول إن ذلك جائز كجواز إقدامه على ما لا يخطر بباله و لو كان لا يصح ترك شي‏ء إلا بعد خطوره بالبال ما جاز فعله إلا بعد ذلك و ليس للفعل تعلق بالعلم و لا بخطور البال من حيث كان فعلا و هذا مذهب جمهور أهل العدل و قد خالف فيه فريق منهم و جماعة أهل الجبر
148 القول في ترك الكون في المكان العاشر و الإنسان في المكان الأول‏
و أقول إن ذلك محال باستحالة كونه في العاشر و هو في الأول و لو صح أن يترك في الوقت ما لا يصح فعله فيه لصح أن يقدر في الوقت على ما لا يصح قدرته على ضده فيه و هذا باطل بإجماع أهل العدل و ليس بين جمهور من سميناه خلاف فيما ذكرناه و إن خالف فيه شذاذ منهم على ما وصفناه‏
149 القول في العلم و الألم هل يصح حلولهما في الأموات أم لا
و أقول إن ذلك مستحيل غير جائز و العلم باستحالته يقرب من بداية العقول و لو جاز وجود ميت عالم آلم لجاز وجوده قادرا ملتذا مختارا و لو
صح ذلك لم يوجد فرق بين الحي و الميت و لما استحال وجود متحرك ساكن و أبيض أسود و حي ميت و هذا كله محال ظاهر الفساد و على هذا المذهب إجماع أهل النظر على اختلاف مذاهبهم و قد شذ عن القول به شاذون نسبوا بشذوذهم عنه إلى السفسطة و التجاهل‏
150 القول في العلم بالألوان هل يصح خلقه في قلب الأعمى أم لا
و أقول إن ذلك محال لا يصح كما يستحيل خلو العاقل من العلم بالجسم و هو موجود قد اتصل به شعاع بصره من غير مانع بينهما و كما أنه لا يصح وجود العلم بالمستنبطات في قلب من لا يمكنه الاستنباط لعدم الدلائل و فقدها كذلك يستحيل وجود العلم بالألوان لمن قد فقد ما يتوسط بين العاقل و بين معرفة الألوان من الحواس و هذا مذهب أبي القاسم و كثير من أهل التوحيد و قد خالفهم فيه جماعة من المعتزلة و سائر أهل التشبيه‏
151 القول فيمن نظر وراء العالم أو مد يده‏
و أقول إنه لا يصح خروج يد و لا غيرها وراء العالم إذ كان الخارج لا يكون خارجا إلا بحركة و المتحرك لا يصح تحركه إلا في مكان و ليس وراء العالم‏
شي‏ء موجود فيكون مكانا أو غير مكان و إذا لم تصح حركة شي‏ء إلى خارج العالم لم يصح رؤية ما وراء العالم لأن الرؤية لا تقع إلا على شي‏ء موجود تصح رؤيته باتصال الشعاع به أو محله و ليس وراء العالم شي‏ء موجود و لا معلوم فضلا عن موجود و هذا مذهب أبي القاسم و سائر أهل النظر في أحد القسمين و هو الرؤية و مذهبه مذهب أكثر أهل التوحيد في الحركة و يخالفهم فيه نفر يسير
152 القول في إبليس أ هو من الجن أم من الملائكة
و أقول إن إبليس من الجن خاصة و إنه ليس من الملائكة و لا كان منها قال الله تعالى إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ و جاءت الأخبار متواترة عن أئمة الهدى من آل محمد ع بذلك و هو مذهب الإمامية كلها و كثير من المعتزلة و أصحاب الحديث.
تم كتاب أوائل المقالات وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و صلى الله على محمد و آله الطاهرين‏  هذه الزيادة كان خرجها و سأل الشيخ المفيد أبا عبد الله محمد بن النعمان تغمده الله برحمته السيد الشريف الرضي ذو الحسبين أبو الحسن محمد بن الشريف الأجل الطاهر الأوحد أبي أحمد الموسوي قدس الله روحه ليضاف إلى أوائل المقالات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏
153 القول في العصمة ما هي‏
أقول إن العصمة في أصل اللغة هي ما اعتصم به الإنسان من الشي‏ء كأنه امتنع به عن الوقوع فيما يكره و ليس هو جنسا من أجناس الفعل و منه قولهم اعتصم فلان بالجبل إذا امتنع به و منه سميت العصم و هي وعول الجبال لامتناعها بها.
و العصمة من الله تعالى هي التوفيق الذي يسلم به الإنسان مما يكره إذا
أتى بالطاعة و ذلك مثل إعطائنا رجلا غريقا حبلا ليتشبث به فيسلم فهو إذا أمسكه و اعتصم به سمي ذلك الشي‏ء عصمة له لما تشبث و سلم به من الغرق و لو لم يعتصم به لم يسم عصمة و كذلك سبيل اللطف إن الإنسان إذا أطاع سمي توفيقا و عصمة و إن لم يطع لم يسم توفيقا و لا عصمة و قد بين الله ذكر هذا المعنى في كتابه بقوله وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً و حبل الله هو دينه أ لا ترى أنهم بامتثال أمره يسلمون من الوقوع في عقابه فصار تمسكهم بأمره اعتصاما و صار لطف الله لهم في الطاعة عصمة فجميع المؤمنين من الملائكة و النبيين و الأئمة معصومون لأنهم متمسكون بطاعة الله تعالى.
و هذه جملة من القول في العصمة ما أظن أحدا يخالف في حقيقتها و إنما الخلاف في حكمها و كيف تجب و على أي وجه تقع و قد مضى ذكر ذلك في باب عصمة الأنبياء و عصمة نبينا عليه و عليهم الصلاة و السلام و هي في صدر الكتاب و هذا الباب ينبغي أن يضاف إلى الكلام في الجليل إن شاء الله تعالى‏
154 القول في أن النبي ص بعد أن خصه الله بنبوته كان كاملا يحسن الكتابة
إن الله تعالى لما جعل نبيه ص جامعا لخصال الكمال كلها و خلال المناقب بأسرها لم تنقصه منزلة بتمامها يصح له الكمال و يجتمع فيه الفضل و الكتابة فضيلة من منحها فضل و من حرمها نقص و من الدليل على ذلك أن الله تعالى جعل النبي ص حاكما بين الخلق في جميع ما اختلفوا فيه فلا بد أن‏
يعلمه الحكم في ذلك و قد ثبت أن أمور الخلق قد يتعلق أكثرها بالكتابة فتثبت بها الحقوق و تبرأ بها الذمم و تقوم بها البينات و تحفظ بها الديون و تحاط به الأنساب و أنها فضل تشرف المتحلي به على العاطل منه و إذا صح أن الله جل اسمه قد جعل نبيه بحيث وصفناه من الحكم و الفضل ثبت أنه كان عالما بالكتابة محسنا لها.
و شي‏ء آخر و هو أن النبي لو كان لا يحسن الكتابة و لا يعرفها لكان محتاجا في فهم ما تضمنته الكتب من العقود و غير ذلك إلى بعض رعيته و لو جاز أن يحوجه الله في بعض ما كلفه الحكم فيه إلى بعض رعيته لجاز أن يحوجه في جميع ما كلفه الحكم فيه إلى سواه و ذلك مناف لصفاته و مضاد لحكمة باعثه فثبت أنه ص كان يحسن الكتابة.
و شي‏ء آخر و هو قول الله سبحانه هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ إِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ و محال أن يعلمهم الكتاب و هو لا يحسنه كما يستحيل أن يعلمهم الحكمة و هو لا يعرفها و لا معنى لقول من قال إن الكتاب هو القرآن خاصة إذ اللفظ عام و العموم لا ينصرف عنه إلا بدليل لا سيما على قول المعتزلة و أكثر أصحاب الحديث.
و يدل على ذلك أيضا قوله تعالى وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ
لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ فنفى عنه إحسان الكتابة و خطه قبل النبوة خاصة فأوجب بذلك إحسانه لها بعد النبوة و لو لا أن ذلك كذلك لما كان لتخصيصه النفي معنى يعقل و لو كان حاله ص في فقد العلم بالكتابة بعد النبوة كحاله قبلها لوجب إذا أراد نفي ذلك عنه أن ينفيه بلفظ يفيده لا يتضمن خلافه فيقول له وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذ ذاك و لا في الحال أو يقول لست تحسن الكتابة و لا تأتي بها على كل حال كما أنه لما أعدمه قول الشعر و منعه منه نفاه عنه بلفظ يعم الأوقات فقال الله وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ و إذا كان الأمر على ما بيناه ثبت أنه ص كان يحسن الكتابة بعد أن نبأه الله تعالى على ما وصفناه و هذا مذهب جماعة من الإمامية و يخالف فيه باقيهم و سائر أهل المذاهب و الفرق يدفعونه و ينكرونه‏
155 و مما يضاف إلى الكلام في اللطيف القول في إحساس الحواس‏
و أقول إن الحس كله بمماسة ما يحس به المحسوس و اتصاله به أو بما
يتصل به أو بما ينفصل عنه أو بما يتصل بما ينفصل عنه و ذلك كالبصر فإن شعاعه لا بد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل عنه أو بما يتصل بما ينفصل عنه و لو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر و الحاجز و لا ضرت الظلمة و لكان وجود ذلك و عدمه في وقوع العلم سواء.
فإن قال قائل أ فيتصل شعاع البصر بالمشتري و زحل على بعدهما.
قيل له لا و لكنه يتصل بالشعاع المنفصل منهما فيصير كالشي‏ء الواحد لتجانسهما و تشاكلهما و أما الصوت فإنه إذا حدث في أوائل الهواء الذي يلي الأجسام المصطكة و كذا فيما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ فيدركه السامع.
و مما يدل على ذلك أن القصار يضرب بالثوب على الحجر فيرى مماسة الثوب الحجر و يصل الصوت بعد ذلك فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في الهواء هواء بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ و أما الرائحة فإنه تنفصل من جسم ذي الرائحة أجزاء لطاف و تتفرق في الهواء فما صار منها في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه و أما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة اللسان و اللهوات و لذلك لا يوجد طعم ما لا ينحل منه شي‏ء كاليواقيت و الزجاج و نحوها و الطعم و الرائحة لا خلاف في أنهما لا يكونان إلا بمماسة و اللمس في الحقيقة هو الطلب‏
للشي‏ء ليشعر به و يحس و حقيقته الشعر و هذه جملة على اعتقادها أبو القاسم البلخي و جمهور أهل العدل و أبو هاشم الجبائي يخالف في مواضع منها
156 القول في الاجتهاد و القياس‏
أقول إن الاجتهاد و القياس في الحوادث لا يسوغان للمجتهد و لا للقائس و إن كل حادثة ترد فعليها نص من الصادقين ع يحكم به فيها و لا يتعدى إلى غيرها بذلك جاءت الأخبار الصحيحة و الآثار الواضحة عنهم ص و هذا مذهب الإمامية خاصة و يخالف فيه جمهور المتكلمين و فقهاء الأمصار و هذا آخر ما تكلم به السيد الشريف الرضي رضي الله عنه و أرضاه و صلى الله على محمد النبي الأمي و على آله كثيرا طيبا

0 comments:

Post a Comment